في عالم الأورام السرطانية، ثمة معارك تُخاض في العلن وأخرى تدور رحاها في صمت مطبق؛ ويقف “سرطان البنكرياس” على رأس قائمة تلك التحديات الطبية التي توصف بـ “القاتل الصامت”. هذا المرض ليس مجرد خلل خلوي، بل هو لغز بيولوجي يختبئ خلف ستار من الأعراض الخادعة والموقع التشريحي المعقد، مما يجعله ينمو ويتفشى بعيداً عن أعين الفحوصات التقليدية، حتى يباغت المريض في مراحله المتأخرة.
وعلى الرغم من القفزات الهائلة التي حققها الطب الحديث في محاصرة أنواع أخرى من السرطانات، ظل البنكرياس يمثل “الحصن المنيع” الذي يصعب اختراقه، مسجلاً أرقاماً تصاعدية في معدلات الإصابة والوفيات عالمياً. إلا أن المشهد اليوم لم يعد قاتماً بالكامل؛ فبين طيات الأبحاث الجينية الواعدة ونتائج اللقاحات التجريبية الحديثة، يبزغ بصيص أمل قد يغير قواعد اللعبة قريباً.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على الأرقام الصادمة التي تعكس حجم الأزمة العالمية، ونفكك شيفرة “الصمت” التي تغلف هذا المرض، مستعرضين العلامات التحذيرية التي قد تنقذ حياة الكثيرين، وصولاً إلى أحدث ما توصل إليه العلم في سباق النجاة ضد الزمن.
يُصنَّف سرطان البنكرياس بين أشد الأمراض السرطانية فتكاً بالإنسان، إذ سجّل المرصد العالمي للسرطان التابع للوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC/GLOBOCAN 2022) نحو 511,000 حالة إصابة جديدة حول العالم خلال عام 2022 وحده. وفي العام ذاته، تجاوز عدد الوفاة الناجمة عنه 467,000 حالة. وتستأثر قارة آسيا بالنصيب الأكبر من الإصابات، بنسبة 45.5% من مجمل الحالات، تليها أوروبا بنسبة 28.7%.
لماذا يبقى صامتاً حتى اللحظات الأخيرة؟
يقبع البنكرياس في أعماق تجويف البطن، محاطاً بالمعدة والأمعاء والقولون. ويُشير الأطباء المتخصصون إلى أن هذا الموقع يجعل الكشف المبكر عن أي ورم يتشكّل فيه أمراً بالغ الصعوبة. فضلاً عن ذلك، لا يحوي البنكرياس كثافةً عصبية كافية، مما يعني أن الأورام في مراحلها الأولى لا تُسبب ألماً يُنبّه المريض. وتزيد الطينة بلةً غيابُ برامج الفحص الدوري الممنهج، على عكس ما هو متاح لسرطانَي الثدي والقولون.
وأكدت عيادة مايو كلينيك الأمريكية أن العلامات التحذيرية لهذا المرض لا تظهر في الغالب إلا في مراحله المتقدمة. وتتشابه أعراضه المبكرة مع أمراض شائعة كالتهاب المعدة والقرحة الهضمية وعسر الهضم. وهذا التشابه الخادع يدفع المرضى نحو تأخير مراجعة الطبيب أو اللجوء إلى الأدوية المُتاحة دون وصفة طبية.
الأعراض التي لا ينبغي تجاهلها
حدّدت هيذر آرشبولد، مديرة معلومات الصحة في مؤسسة مكافحة سرطان البنكرياس البريطانية، ستَّ علامات رئيسية قد تُشير إلى هذا المرض:
- ألم في البطن أو الظهر: يبدأ خفياً ويتصاعد تدريجياً، ويكون ألم الظهر مؤشراً على انتشار الورم خارج البنكرياس.
- اليرقان: اصفرار الجلد وبياض العينين جراء انسداد القناة الصفراوية وتراكم البيليروبين في الدم.
- فقدان الوزن غير المبرر: نتيجة تدخّل الورم في إنتاج إنزيمات البنكرياس الهاضمة وسوء امتصاص العناصر الغذائية.
- التغير في لون البول والبراز: يميل البول نحو الداكن بسبب ارتفاع البيليروبين، فيما يصبح البراز فاتح اللون ودهنياً.
- الإرهاق المزمن: تعب مستمر لا يرتبط بجهد بدني ولا يزول بالنوم.
- عسر الهضم المزمن: الذي لا يستجيب للأدوية المعتادة ويستدعي استشارة طبية فورية.
وحين تظهر علامات واضحة كاليرقان وآلام أسفل الظهر الشديدة وتراكم السوائل في البطن، يكون التشخيص في الغالب قد جاء متأخراً.

سرطان البنكرياس.. العوامل التي ترفع مستوى الخطر
رصدت جمعية السرطان الأمريكية جملةً من عوامل الخطر المرتبطة بسرطان البنكرياس:
- التدخين: يُعدّ من أبرز العوامل القابلة للتعديل، إذ يُضاعف خطر الإصابة مقارنةً بغير المدخنين، كما يُعزى إلى التدخين نحو 25% من مجمل حالات سرطان البنكرياس.
- السمنة: ترفع خطر الإصابة بنسبة 20% لدى من يبلغ مؤشر كتلة أجسامهم 30 أو أكثر.
- مرض السكري من النوع الثاني: تُفيد دراسة نشرتها جمعية السكري الأوروبية باحتمالية أعلى للإصابة بين مرضى السكري، إذ أظهر التحليل ارتفاع نسبة الخطر بمعامل 1.54 مقارنةً بغير المصابين.
- التدخين السلبي: كشفت دراسة منشورة في مجلة PeerJ عام 2024، شملت 5,560 مريضاً، أن التعرض للدخان الثانوي يرفع خطر الإصابة بنسبة 20%.
- التاريخ العائلي: إذ ترتبط بعض الطفرات الجينية الوراثية بارتفاع ملحوظ في احتمالية الإصابة.
نسبة النجاة: تقدم حذر ومعارك لم تُحسم بعد
أعلنت شبكة مكافحة سرطان البنكرياس الأمريكية (PanCAN) في يناير 2024 أن نسبة البقاء على قيد الحياة خمس سنوات بعد التشخيص ارتفعت إلى 13%، للمرة الثالثة على التوالي. وتُشير الشبكة إلى أن هذا الرقم كان لا يتجاوز 6% قبل عقد من الزمن، مما يعكس تقدماً حقيقياً في أساليب الاكتشاف المبكر والعلاج. وأوضحت جولي فليشمان، رئيسة المنظمة والمديرة التنفيذية لها، أن هذا التحسن مرتبط أساساً بتزايد حالات التشخيص في مراحل موضعية مبكرة.
غير أن هذا التفاؤل يبقى مشروطاً؛ ففي المملكة المتحدة، لا يتجاوز معدل البقاء على قيد الحياة لعشر سنوات 4.3% وفقاً لأحدث إحصاءات منظمة أبحاث السرطان البريطانية (Cancer Research UK). كما يصف الباحثون المرض بأنه “من أسوأ السرطانات من حيث معدلات النجاة”، نظراً لتكرار الاكتشاف في المراحل المتقدمة.

بصيص أمل: اللقاح الجديد يخطو نحو المستقبل
في آب/أغسطس 2025، كشف الدكتور زيف واينبرغ، المدير المشارك لبرنامج أورام الجهاز الهضمي في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، عن نتائج المرحلة الأولى من تجربة لقاح يستهدف طفرة جين KRAS المسؤولة عن نمو الورم في ما يصل إلى 90% من حالات سرطان البنكرياس. وقد شملت التجربة 20 مريضاً ببنكرياس وخمسة بسرطان القولون، ونُشرت نتائجها في مجلة Nature Medicine. وأظهرت البيانات أن 68% من المشاركين طوّروا استجابةً مناعية قوية ضد جين KRAS بعد نحو 20 شهراً من التطعيم.
ويتميز هذا اللقاح بأنه غير مُخصَّص لكل مريض على حدة، مما يعني إمكانية توفيره في الصيدليات عند اعتماده. وأكد الدكتور واينبرغ أن المرحلة الثانية من التجربة السريرية بدأت بالفعل، وتشمل عدداً أكبر من المرضى. وتُعزز هذه النتائج مساعي العلم لتحويل سرطان البنكرياس من مرض صامت قاتل إلى حالة قابلة للسيطرة.
مسار المرض: من الصمت إلى العاصفة
تتدرج مراحل سرطان البنكرياس من المرحلة صفر، حيث تنحصر الخلايا السرطانية في القناة البنكرياسية دون انتشار، وصولاً إلى المرحلة الرابعة، حيث ينتقل المرض إلى أعضاء بعيدة. وتبلغ معدلات عودة المرض بعد العلاج الجراحي نحو 80%، مما يجعل المتابعة الدقيقة بعد التدخل ضرورةً لا غنى عنها. ولمرضى المرحلة الرابعة المؤهلين لعلاج HIPEC، أظهرت الدراسات تحسناً في معدلات البقاء يتراوح بين 22% و35%.
وتُعلّق منظمة الصحة العالمية آمالاً كبيرة على تعزيز التوعية الصحية، باعتبارها الوسيلة الأجدى لتحقيق الاكتشاف المبكر. وتؤكد البيانات الصادرة عن المنظمة أن تكثيف برامج الفحص الدوري للفئات الأكثر عرضة للخطر قادر على إنقاذ أرواح كثيرة مما تودّيها هذه الأورام.




