لم تكن لغة الأرقام يوماً أكثر قسوة في تفكيك الخطاب السياسي مما هي عليه اليوم في ربيع عام 2026. فبينما تقف الولايات المتحدة على مسافة أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي، يتجاوز القلق حدود الداخل الأمريكي ليصبح حالة ترقب عالمية. العالم لا يراقب واشنطن اليوم بحثاً عن قيادة، بل يراقبها بخوف، منتظراً لحظة اختراق تشريعي قد تغلّ يد إدارة أدخلت الاقتصاد العالمي في نفق من الضبابية، وزجّت بالشرق الأوسط في أتون حرب استنزاف باهظة.
الخطاب الرسمي للبيت الأبيض، كما تجلى في خطاب “حالة الاتحاد” الأخير في فبراير، يرسم صورة وردية لاقتصاد “يزأر” وقيادة تستعيد هيبة أمريكا. لكن مقاطعة هذه الادعاءات مع البيانات المستقلة تكشف عن فجوة مرعبة بين السردية والواقع.

على الصعيد الدولي، تعيش الولايات المتحدة عزلة غير مسبوقة. الأرقام الصادرة عن مركز “بيو” (Pew) للأبحاث لا تدع مجالاً للشك؛ فنسبة الثقة العالمية بالقيادة الأمريكية لا تتجاوز 34%، مقابل 62% من الانعدام التام للثقة. والانهيار الأبرز لم يكن لدى الخصوم التقليديين، بل لدى الحلفاء الجغرافيين، حيث هوت الثقة في المكسيك إلى 9%، وفي كندا إلى 23% إثر حرب تجارية عبثية أضرت بسلاسل التوريد. ورغم تصوير الإدارة لإلزام دول الناتو بإنفاق 5% من ناتجها المحلي على الدفاع كـ”انتصار تاريخي”، إلا أن الحقيقة أن هذا الاتفاق وُلد ميتاً وسط شكوك حلفاء أوروبا العميقة في التزام واشنطن بمبدأ الدفاع المشترك.
لكن الكلفة الاستراتيجية الأكبر تتجلى في مغامرة فبراير 2026 العسكرية في إيران (عملية Epic Fury). هذه الحرب التي رُسّمت كضربة جراحية سريعة، تحولت في أقل من أسبوعين إلى نزيف مالي وأخلاقي. استنزاف ما بين مليار إلى ملياري دولار يومياً من أموال دافعي الضرائب (16.5 مليار دولار في أول 12 يوماً فقط)، وسقوط ضحايا من الجنود الأمريكيين وآلاف المدنيين الإيرانيين، وضع واشنطن أمام معارضة داخلية شرسة تقترب من 56%، وأعاد رسم صورة أمريكا كقوة مزعزعة للاستقرار.

اقتصادياً، الفاتورة يدفعها المواطن الأمريكي بالدرجة الأولى، رغم محاولات الإدارة تصدير الوهم بأن “الأجانب يدفعون الرسوم”. تقرير بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك كان قاطعاً: قرابة 90% من العبء الاقتصادي للرسوم الجمركية، التي وصلت لمتوسط 13%، وقع على كاهل الشركات والمستهلكين الأمريكيين، مكلفاً الأسرة المتوسطة نحو 3,800 دولار سنوياً. وحتى عندما تدخلت المحكمة العليا في أواخر فبراير مبطلةً رسوم قانون (IEEPA)، كان الضرر التضخمي قد وقع. الاقتصاد الذي وُصف بالزئير بالكاد حقق نمواً بنسبة 2% في 2025 (مقارنة بـ 2.8% في آخر أعوام بايدن)، فيما الدين القومي كسر حاجز الـ 39 تريليون دولار، لتصبح مدفوعات فوائده أعلى من ميزانية الدفاع العسكري بأكملها.
لا يمكن، بطبيعة الحال، إنكار الأرقام التي يتغنى بها مؤيدو الإدارة، وتحديداً صعود مؤشر (S&P 500) بنسبة 17% وتمرير قانون الإعفاءات الضريبية الضخم (One Big Beautiful Bill). لكن قراءة متأنية تكشف أن هذا الصعود المالي مدفوع بطفرة قطاع الذكاء الاصطناعي أكثر من كونه نتاجاً لسياسات حكومية، وأن التخفيضات الضريبية ستكلف الخزانة 3 تريليونات دولار إضافية بحلول 2034، مع تمركز الاستفادة في شرائح الثروة العليا.
داخلياً، المشهد المؤسسي يعكس حالة من التآكل الممنهج. إغلاق حكومي قياسي لـ 43 يوماً كبّد الاقتصاد 11 مليار دولار كخسائر غير قابلة للاسترداد، وثقة شعبية في السلطة القضائية انهارت إلى 35%، في حين لا تحظى المؤسسة التشريعية (الكونغرس) سوى بـ 15% من رضا المواطنين.

في ظل هذه المعطيات، لم تعد انتخابات نوفمبر 2026 مجرد محطة سياسية أمريكية روتينية، بل استفتاءً حقيقياً على مستقبل النظام العالمي.استطلاعات الرأي التي تمنح الديمقراطيين تقدماً يتراوح بين 6 إلى 8 نقاط تعكس تململ الشارع الأمريكي من سياسة الاستقطاب الداخلي والاستنزاف الخارجي. العالم بأسره يقف اليوم على أطراف أصابعه، يراقب صناديق الاقتراع الأمريكية، مترقباً تحريراً ديمقراطياً لمؤسسات القرار يوقف هذا النزيف، ويعيد الولايات المتحدة شريكاً موثوقاً، لا خطراً يهدد استقرار الكوكب.




