في أبريل 2026، أقرّت إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) علناً، ولأول مرة في تاريخها، باستخدامها برنامج تجسس تجارياً من أشد البرامج تدخلاً في العالم، يُعرف بـ “Graphite”. وقّعت الوكالة عقداً بقيمة مليوني دولار مع شركة Paragon Solutions الإسرائيلية، مما أثار موجة من الانتقادات من قِبل منظمات الحقوق المدنية والمشرعين الذين يرون في هذه الخطوة تهديداً مباشراً لخصوصية ملايين المهاجرين والناشطين والصحفيين داخل الولايات المتحدة.
Graphite هو برنامج تجسس تجاري من تطوير شركة Paragon Solutions، التي تأسست في إسرائيل عام 2019 على يد عدد من كبار مسؤولي الاستخبارات والدفاع الإسرائيليين. يُصنَّف هذا البرنامج ضمن فئة “أسلحة الإنترنت الاحترافية”، وهو مصمم في الأصل للاستخدام الحكومي في مجال إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب، غير أن سجل استخدامه يكشف عن صورة أكثر قتامة.
تُسوّق Paragon نفسها باعتبارها بديلًا “أخلاقياً” عن منافسيها، كمجموعة NSO الإسرائيلية المعروفة ببرنامج التجسس Pegasus. وتدّعي الشركة أن منتجاتها لا تُستخدم إلا لمكافحة الجريمة ومنع إساءة استغلال الأطفال. إلا أن تحقيقات مستقلة عدة أثبتت أن Graphite استُخدم لاستهداف صحفيين وناشطين في دول ديمقراطية، مما يكشف أن الفجوة بين الادعاء والواقع قد تكون أوسع مما تُقرّ به الشركة.
هجوم بدون نقرة واحدة
الميزة الأكثر إثارة للقلق في Graphite هي ما يُعرف تقنياً بـ “الهجوم بدون نقرة” (Zero-Click). هذا يعني ببساطة أن البرنامج قادر على اختراق هاتفك دون أن تفعل أي شيء، دون فتح رابط، أو تحميل ملف، أو حتى الرد على رسالة.
في الحالات الموثقة، استغل المشغّلون ثغرات في تطبيقات المراسلة مثل iMessage وWhatsApp. وقد كشفت أبحاث مختبر Citizen Lab الكندي أن Graphite أصاب هواتف iPhone محدّثة بالكامل في يناير وفبراير 2025، من خلال استغلال ثغرة لم تكن معروفة آنذاك، أصلحتها أبل لاحقاً في نظام iOS 18.3.1 وسجّلتها تحت رقم CVE-2025-43200. وقد تمكّن البرنامج من اختراق الأجهزة بمجرد استقبالها رسائل صامتة أو مكالمات على منصات التشفير، دون أن يترك أي أثر مرئي كأيقونة تطبيق أو إشعار.
ما الذي يفعله البرنامج بعد الاختراق؟
بمجرد أن يتمكن Graphite من جهازك، يمنح مشغّليه صلاحيات شبه كاملة، وتشمل:
• قراءة الرسائل المشفرة: استخراج المحادثات من تطبيقات مثل WhatsApp وSignal التي يعتمدها الملايين كضمانة لخصوصيتهم.
• تتبع الموقع في الوقت الفعلي: رصد تحركات الشخص المستهدف لحظة بلحظة.
• الوصول إلى المحتوى الشخصي: تنزيل الصور، رسائل البريد الإلكتروني، سجلات المكالمات، وقوائم جهات الاتصال.
• التجسس السمعي والبصري: تشغيل الميكروفون والكاميرا سراً لتسجيل المحادثات والمشاهد المحيطة بالشخص المستهدف.
• العمل في الخفاء التام: لا أيقونة، لا إشعار، لا أثر على الشاشة.
باختصار، يتحول هاتفك إلى جهاز تنصت كامل، دون علمك ودون موافقتك.
مسار العقد مع ICE
في 27 سبتمبر 2024، وقّعت ICE عقداً بقيمة مليوني دولار مع الفرع الأمريكي لشركة Paragon Solutions، ومقره مدينة شانتيلي في ولاية فيرجينيا. وصف العقد المنشور في قاعدة بيانات المشتريات الفيدرالية (FPDS.gov) الصفقة بأنها تشمل “حلولاً برمجية متكاملة مع التراخيص والأجهزة والضمان والصيانة والتدريب”.
بعد أقل من أسبوعين من كشف الصفقة، في 8 أكتوبر 2024، علّقت إدارة بايدن العقد وأحالته إلى مراجعة البيت الأبيض. جاء التعليق بسبب المخاوف من تعارض العقد مع المرسوم التنفيذي رقم 14093 الذي أصدره الرئيس بايدن في مارس 2023، والذي يحظر على الوكالات الفيدرالية استخدام برامج التجسس التجارية التي “تُشكّل مخاطر مضادة للاستخبارات أو مخاطر أمنية جسيمة”، أو تلك التي يمكن إساءة استخدامها من قِبل حكومات أجنبية.
في ديسمبر 2024، اشترت شركة AE Industrial Partners، وهي صندوق استثمار خاص في ولاية فلوريدا، شركة Paragon Solutions بصفقة تتراوح قيمتها بين 500 و900 مليون دولار، مع خطط لدمجها مع شركة REDLattice الأمريكية. بعد هذا التحول في الملكية، وفي 30 أغسطس 2025، رفعت ICE أمر “التوقف عن العمل” وأعادت تفعيل العقد بصمت.
برّرت الوكالة هذه الخطوة بأن Paragon أصبحت شركة أمريكية الملكية، وهو ما يُزيل عقبة الامتثال للمرسوم التنفيذي من الناحية التقنية. غير أن ناشطين ومنظمات رقابية أكدوا أن مجرد تغيير اسم المالك لا يُغيّر طبيعة أداة التجسس ذاتها.
في أوائل أبريل 2026، أرسل المدير القائم بأعمال ICE تود ليونز رسالة رسمية إلى ثلاثة أعضاء في الكونغرس، كانوا قد طالبوا الوكالة بالتوضيح، أقرّ فيها باستخدام الوكالة لـ “أدوات تكنولوجية متطورة”، وأشار إلى أنه أجاز لوحدة التحقيقات الأمنية (HSI) التابعة للوكالة استخدامها لمواجهة “استغلال المنظمات الإرهابية الأجنبية للمنصات المشفرة” في إطار الحرب على الفنتانيل. وكان هذا أول اعتراف علني من ICE بامتلاكها واستخدامها لبرنامج Graphite.




