من فيديوهات الجدّات و«خضّ القشدة» في القرى، إلى ترند عدّائين يركضون بزجاجات حليب مربوطة إلى خصورهم، عاد سؤال قديم في ثوب جديد: هل يمكن أن تتحول حركة الجري وحدها إلى «خضّ طبيعي» يحوّل الحليب إلى زبدة؟ انتشر تحدي «سباق الزبدة» على تيكتوك ومنصات أخرى، حيث يوثّق شباب تجربتهم في وضع الحليب أو الكريمة في زجاجات وأكياس مغلقة بإحكام، ثم الانطلاق للجري لمسافات مختلفة قبل فتح العبوة أمام الكاميرا لرؤية ما إذا كانت الزبدة قد تكوّنت.
من خضّ القشدة إلى «سباق الزبدة»
علميًا، صنع الزبدة ليس جديدًا؛ فالطريقة التقليدية تعتمد على خضّ القشدة (أو اللبن القشدة) بقوة لفترة كافية، حتى تتحطم كرات الدهن الصغيرة وتتجمع في كتل أكبر تشكل الزبدة، بينما ينفصل السائل المعروف باللبن الرائب أو المخيض. يمكن القيام بذلك في برطمان يُرجّ باليد، أو خلاط كهربائي، أو خضّاضة يدوية، وكلها تعتمد على نفس المبدأ الفيزيائي: حركة متكررة قوية تكسر البنية المستحلبة للحليب.
ترند «الزبدة أثناء الجري» يعيد توظيف هذا المبدأ في سياق عصري؛ فبدل أن تقفي في المطبخ وتخضّي البرطمان، يقترح التحدي أن تستغلي طاقة الجري أو التمارين الرياضية لخضّ الكريمة داخل وعاء محكم، بحيث تقوم خطواتك السريعة واهتزاز جسمك بالدور نفسه الذي يقوم به الخلاط أو الخضّاضة.
ما الذي تحتاجه التجربة لتنجح فعلًا؟
الخبراء يشيرون إلى أن الفكرة لها أساس علمي، لكنها تعتمد على ثلاثة شروط رئيسية: أولًا، يجب استخدام كريمة خفق أو حليب عالي الدسم، لا حليب قليل الدسم أو منزوع الدسم، لأن الزبدة في النهاية هي دهون الحليب المركّزة. ثانيًا، يجب أن تكون الكريمة بدرجة حرارة قريبة من حرارة الغرفة أو منخفضة قليلًا، فالكريمة الباردة جدًا أو الساخنة تقلل كفاءة عملية الخضّ. ثالثًا، يلزم وقت وحركة كافيان؛ معظم التجارب المنزلية الناجحة تشير إلى أن تحويل الكريمة إلى زبدة يدويًا يحتاج من 10 إلى 20 دقيقة من الرجّ المتواصل أو شبه المتواصل.
بمعنى آخر، جولة ركض سريعة لبضع دقائق قد لا تكفي، خاصة إذا كان الحليب المستخدم مبسترًا قليل الدسم من السوبرماركت. في المقابل، عدّاؤون يركضون لمسافات أطول مع زجاجة صغيرة تحتوي كريمة غنية ومغلقة بإحكام يمكن أن يحصلوا بالفعل على كتل زبدة صغيرة عند نهاية التدريب، وهو ما ظهر في بعض مقاطع «سباق الزبدة» الأكثر واقعية.
بين العلم والمبالغة في الفيديوهات القصيرة
كثير من مقاطع الترند تُظهر التحوّل وكأنه يحدث «بمعجزة» بعد جولة قصيرة أو حركات خفيفة، وهو ما لا يتفق مع ما نعرفه عن صناعة الزبدة؛ ففي المطبخ، حتى باستخدام خلاط كهربائي أو برطمان يُرجّ يدويًا، تحتاج العملية لبضع دقائق من الخفق أو الرج حتى ينفصل الدهن عن السائل بشكل واضح. أي أن الفيديوهات التي تختصر القصة في ثوانٍ غالبًا تكون قد سبقت بمرحلة رجّ أطول لم تُعرض كاملة، أو أن التجربة أعيد تصويرها بعد اكتمال تكوّن الزبدة.
كما أن بعض المقاطع تستخدم اللبن الحليب المخمّر أو الزبادي بدل الحليب السائل، وهما يختصران جزءًا من الطريق لأن الدهون تكون قد انفصلت جزئيًا بالفعل، وتحتاج فقط لمزيد من الخضّ لاستخراج الزبدة كما في وصفات الزبدة البلدية من اللبن.
تجربة محتوى… لكن مع الاحتفاظ بالسلامة أولًا
من الناحية العملية، يمكن لمن يرغب في تجربة الترند أن يفعل ذلك بطريقة آمنة وبسيطة: برطمان زجاجي صغير أو عبوة بلاستيكية قوية ومحكمة الإغلاق، كمية من كريمة الخفق تعادل ثلثي الحجم تقريبًا، تثبيت جيد للعبوة داخل حقيبة خصر أو حقيبة ظهر، ثم جري خفيف أو رياضة لمدة 10–15 دقيقة مع بعض الحركات الإضافية لزيادة الرجّ. في نهاية التجربة، يمكن فتح البرطمان وتصفيته في مصفاة صغيرة؛ إذا نجحت العملية، سترين كتل زبدة صفراء منفصلة عن سائل أبيض رقيق يمكن استخدامه كلبن رائب في المخبوزات.
مع ذلك، ينصح الخبراء بعدم المبالغة في الجري بحملات غير مريحة أو عبوات كبيرة قد تؤثر على توازن الجسم أو تسبب إصابات، والتعامل مع التجربة كسياق ترفيهي وتعليمي، لا كبديل عملي عن الطرق التقليدية لصنع الزبدة في المطبخ.
ظاهرة رقمية تعيد إحياء حرفة قديمة
بعيدًا عن الجدل حول مدى «حقيقة» كل فيديو، يسلط ترند «الزبدة أثناء الجري» الضوء على نقطة إيجابية: عودة الاهتمام بصناعة المنتجات الغذائية منزليًا، وفضول جيل جديد لاختبار ما كان يحدث في مطابخ الجدّات لكن بأدوات وطرق عرض رقمية.
وبينما لا يبدو أن أحدًا سيستبدل خضّاضة الزبدة أو الخلاط الكهربائي بحقيبة جري في الحياة اليومية، فإن هذه التحديات تفتح بابًا للحديث عن العلم المبسّط وراء الأكل الذي نستهلكه يوميًا، وكيف يمكن لحركة بسيطة ومتكررة أن تحوّل الحليب من سائل أبيض إلى زبدة غنية بالنكهة.




