مرجعية حقوق الطباعة والنشر: السؤال الأبرز في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

بحث اقتصادي جديد يرى أن الإجابة تختلف بحسب وفرة البيانات ودرجة المنافسة في السوق.

فريق التحرير
بلدية دبي تطلق "سعيد" ناطقاً إعلامياً افتراضياً بالذكاء الاصطناعي

إس. أليكس يانغ

أستاذ علوم الإدارة والعمليات في كلية لندن للأعمال

في ديسمبر 2023، رفعت صحيفة نيويورك تايمز دعوى قضائية ضد شركتي أوبن إيه آي ومايكروسوفت بتهمة انتهاك حقوق الطباعة والنشر، قائلةً إن ملايين المقالات التي نشرتها استُخدمت من دون تصريح لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وسلّطت القضية الضوء على سؤال جوهري في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما إذا كان ينبغي إتاحة المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في إطار الاستخدام العادل، أم تعويض أصحابها عندما تُستخدم أعمالهم لهذا الغرض؟ وما نطاق الحماية التي ينبغي أن توفرها حقوق الطبع والنشر للمحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي؟

يتناول بحث جديد أعدّه س. أليكس يانغ، أستاذ علوم الإدارة والعمليات في كلية لندن لإدارة لأعمال؛ وأنجيلا هويي تشانغ من جامعة جنوب كاليفورنيا، هذه الأسئلة من خلال نموذج اقتصادي. وتشير نتائجهما إلى أن الإجابات تعتمد بدرجة كبيرة على عاملين رئيسيين، هما مدى توافر بيانات تدريب عالية الجودة، ومستوى التنافسية في سوق الذكاء الاصطناعي.

ويشرح أليكس قائلاً: “يعتمد تطوير الذكاء الاصطناعي بدرجة كبيرة على الأعمال الأصلية المستخدمة في تدريب نماذج اللغة الكبيرة، ولذلك علينا التفكير في كيفية تحفيز الإبداع البشري، ولا سيما عندما تصبح بيانات التدريب من هذا النوع نادرة، في حين تؤدي ديناميكيات المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذا السياق”.

عندما تكون البيانات الأصلية اللازمة للتدريب متوافرة بكثرة، تتراجع الحوافز أمام شركات الذكاء الاصطناعي لتعويض أصحاب الأعمال الإبداعية. ويشير أليكس، على سبيل المثال، إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي التوليدي المخصص للفيديو قد يستفيد من إطار أكثر مرونة للاستخدام العادل، إذ يمكن أن يسرّع ذلك تطوير النماذج، بما يعود بالنفع على شركات الذكاء الاصطناعي والمبدعين والمستخدمين، من خلال زيادة الإيرادات وتحسين جودة المخرجات.

كما يمكن لتوسيع نطاق حماية حقوق الطباعة والنشر لتشمل المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي أن يحفّز الطلب على منتجات الذكاء الاصطناعي ويشجع الابتكار عندما تكون السوق تنافسية. غير أن أليكس يحذّر من أن هذه الحماية، في الأسواق محدودة المنافسة، قد تصب بصورة غير متناسبة في مصلحة شركات التكنولوجيا المهيمنة، على حساب المستهلكين وربما على حساب سرعة تطوير النماذج.

Advertisement

ماذا يحدث عند ندرة البيانات الأصلية؟

تتغير الصورة عندما يبدأ مخزون البيانات التي أنشأها البشر بالنفاد، وهي حالة بدأت تظهر بوضوح في مجال المحتوى النصي.

ويقول أليكس: “لقد استهلكت نماذج مثل تشات جي بي تي قدراً هائلاً من البيانات التاريخية، ولذلك ستعتمد الإصدارات المستقبلية، مثل تشات جي بي تي 5 وتشات جي بي تي 6 وما يليهما، بدرجة متزايدة على محتوى جديد؛ سواءً كان هذا المحتوى من إنتاج البشر حصراً، أم بيانات اصطناعية جرى تنسيقها بعناية تحت إشراف بشري”.

ومع تزايد ندرة البيانات عالية الجودة، تصبح المحافظة على حوافز البشر لمواصلة إنتاج محتوى أصلي أمراً بالغ الأهمية. وهنا يشير أليكس إلى أن غياب التعويض المناسب قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إبطاء تطور الذكاء الاصطناعي نفسه.

أما استبدال المحتوى الذي ينتجه البشر ببيانات مولّدة آلياً بالكامل، فلا يمثل حلاً موثوقاً حتى الآن. ويقول أليكس: “أظهرت الدراسات أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي حصراً على بيانات مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى تدهور أداء النماذج، إلى حد قد يصل بها إلى الفشل”.

ويضيف: “لذلك، وعلى الأقل في المستقبل المنظور، سنظل بحاجة إلى وجود البشر ضمن منظومة التطوير، سواءً باعتبارهم المبدعين وحدهم، أو شركاء في الإبداع، أو من يقدّمون التغذية الراجعة للآلة”.

Advertisement

ويخلص الباحثان إلى أنه عند شحّ البيانات، فإن كلاً من التطبيق المتساهل لمبدأ الاستخدام العادل والتوسع في حماية المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي بحقوق الطباعة والنشر قد ينطوي على العديد من المخاطر. والأهم من ذلك أن السياستين تؤثر إحداهما في الأخرى.

ويوضح أليكس: “إذا كان معيار الاستخدام العادل متساهلاً أكثر من اللازم، فإنه يضعف الحوافز أمام المبدعين البشر لإنتاج محتوى جديد، ما يؤدي إلى مزيد من تضييق مسار الحصول على البيانات الذي يعاني أصلاً من ضغوط متزايدة. وفي المقابل، إذا مُنح المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي حماية قوية بموجب حقوق الطبع والنشر، فسيصبح البشر أكثر ميلاً إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، ما يزيد من تعقيد تحدي توافر البيانات”.

ويضيف: “نحن بحاجة إلى بيانات تدريب جديدة ينتجها البشر. ولذلك، إذا أردنا منح المحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي حماية أكبر بموجب حقوق الطباعة والنشر، فعلينا في المقابل تعزيز الآليات التي تضمن تعويض البشر عن مساهماتهم الأصلية”.

وتزداد أهمية هذا التوازن مع احتدام المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي وتنامي الطلب على البيانات الجديدة، ولا سيما مع دخول مزيدٍ من المنافسين الجدد إلى السوق من الصين وغيرها من أنحاء العالم.

لا يوجد حل واحد يناسب الجميع

تتطلب إدارة اهتمام الذكاء الاصطناعي المتزايد بالبيانات إدراكاً دقيقاً من الجهات التنظيمية لتداخل قواعد حقوق النشر المختلفة. ومن غير المرجح أن ينجح اعتماد منهج موحد للجميع؛ إذ يجب أن تتسم السياسات بالمرونة ومراعاة طبيعة الحالات المختلفة.

Advertisement

وينبغي للشركات أيضاً الاستعداد لمشهد تنظيمي يزداد تشتتاً. وهنا ينصح أليكس المؤسسات التي تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتستخدمه بالمطالبة بـ “لوائح تنظيمية أكثر مرونة واستجابة”، مع الاستعداد للتعامل مع أولويات مختلفة بين مناطق الاختصاص القضائي.

وتسعى بعض شركات الذكاء الاصطناعي بالفعل للتعامل مع اعتراضات صنّاع المحتوى عبر توقيع اتفاقيات ترخيص مع منصات ووسائل إعلام بارزة، مثل فاينانشال تايمز وريديت. وتؤكد هذه الاتفاقيات وجود رغبة حقيقية في تقاسم القيمة.

ويتمثل خيار آخر في وضع قيود على ما يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي إنتاجه، إذ ترفض نماذج عديدة، على سبيل المثال، تقليد الموسيقى أو الفن بأسلوب مبدعين محددين. ورغم أن هذا الإجراء يقلل المساءلة القانونية، إلا أنه يقدم حافزاً ضئيلاً للمبدعين الأصليين.

ويرى أليكس أن الحل الأكثر استدامة يكمن في تطوير آليات لتقاسم القيمة تضمن استفادة المبدعين عندما تسهم أساليبهم أو أفكارهم الفريدة في مخرجات الذكاء الاصطناعي.

“عندما يلمس الفنانون والكتّاب عائداً واضحاً وعادلاً لقاء استخدام بصماتهم الإبداعية، سيزداد إقبالهم على المشاركة في هذا النظام، ومواصلة رفده بالمدخلات عالية الجودة التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي”.

تحفيز المبدعين البشر

Advertisement

يمكن أن يعود جمع بيانات التدريب بمسؤولية بالنفع أيضاً على مطوري الذكاء الاصطناعي. فقد اتهمت شركة أوبن إيه آي شركة الذكاء الاصطناعي الصينية ديب سيك باستخدام مخرجات تشات جي بي تي لتطوير نموذجها الخاص عبر تقنية تقطير النماذج. وفي ظل الغموض الذي يحيط بأساليب تدريب الذكاء الاصطناعي، يظل فرض الحدود أمراً صعباً ولكنه أساسي.

ويقول أليكس: “إذا ثبت أن تقطير النماذج هو نهج فعال تقنياً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي ذات كفاءة اقتصادية، فقد يبحث مطورو النماذج المتقدمة عن سبل للاستفادة المادية من هذا النشاط”.

وقد يساعد إرساء قواعد أو أطر ترخيص لمخرجات الذكاء الاصطناعي في تحقيق التوازن بين الإبداع والانتشار الواسع للتقنية.

في النهاية، يحتاج بناء منظومة مستدامة للذكاء الاصطناعي ما يتجاوز الإنجازات التقنية، إذ يتوجب أن يستفيد المبدعون البشر من الذكاء الاصطناعي كأداة لزيادة الإنتاجية، وأيضاً من دورهم المستمر كمصادر لا غنى عنها لبيانات التدريب. وبدون تقديم حوافز حقيقية، يواجه المحرك الإبداعي الذي يغذي الذكاء الاصطناعي التوليدي خطر التوقف.