الأسس الأولى: المدينة المستديرة للسلام
في صيفٍ من العصر العباسي المبكر وقف المنصور على ضفة دجلة، فرسم بعقله ملامح مدينةٍ سماها مدينة السلام.
اختياره للموقع لم يكن عشوائياً، فالنهران الكبيران وفرا الماء ومسارات التجارة التي ربطت الشرق بالغرب.
صُمّمت المدينة بشكلٍ دائريٍ مذهل، وجابت أسوارها العالية جانبي النهر، مما جعلها فريدة بين العواصم السابقة.
عمل آلاف المعماريين والمهندسين والعمّال أعواماً عدة، وأنفقوا ثرواتٍ طائلة، فظهرت حاضرةٌ ستبلغ لاحقاً أكبر كثافة سكانية في العالم الإسلامي.
العصر الذهبي: حين حكمت بغداد العقول
ازدهرت بغداد عبر العصور خلال الحكم العباسي، خاصة في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون، فتصدّرت المشهد الفكري العالمي.
بيت الحكمة: أعظم مكتبة للإنسانية
قام بيت الحكمة بدورٍ يتجاوز المكتبات، إذ اعتُبر أول جامعةٍ عالمية حقيقية.
اجتمع علماءٌ من شتى الأقاليم لترجمة تراث الإغريق والفرس والهنود إلى العربية، ثم فحصوه ووسّعوه بجهودٍ نقدية خلاقة.
بهذه الحركة حافظت بغداد عبر العصور على علومٍ كانت ستندثر، بل طوّرتها وأهدتها إلى بقية الأمم.
عقولٌ لامعة غيّرت العالم
استقطبت بغداد عبر العصور علماء خلّدهم التاريخ.
أسس الخوارزمي علم الجبر وقدّمه بنهجٍ منهجي، فأُشتقّت من اسمه كلمتا «الخوارزمية» و«الجبر».
أما الجاحظ فخلّد نبض المدينة بقلمه الساخر، موثقاً حراكها الثقافي في مؤلفاتٍ متعددة.
وحدّد ابن سينا ملامح الطب العالمي، فجعل كتابه «القانون» مرجعاً أوروبياً لقرون، مُظهراً كيف عبرت المعارف من بغداد إلى الغرب.
الأثر الثقافي: نفوذٌ يتجاوز العلوم
تركت بغداد عبر العصور بصمتها في الأدب الشعبي كذلك، إذ شكّلت خلفيةً لقصص «ألف ليلة وليلة».
كما عُرفت المدينة بعبارةٍ شهيرة تصف حركتها الفكرية: «القاهرة تكتب، بيروت تطبع، بغداد تقرأ».
التنوع الديني والعرقي داخل الأسوار عزّز نموذجاً للتعايش والتعاون العلمي، فأثرى الحضارة العربية كلها.
السقوط وما تلاه
تعرّضت بغداد عبر العصور لكارثةٍ كبرى حين اجتاحها الغزو المغولي فأُحرِق بيت الحكمة وأُغرقت مخطوطاته في دجلة.
سقط مئات الآلاف ضحايا، فانتهت بذلك حقبةٌ ذهبية وتراجعت مكانة المدينة العلمية.
الصدى الباقي اليوم
رغم تقلبات السياسة المعاصرة تواصل بغداد عبر العصور إلهام الأدباء، وقد نالت اعتراف اليونسكو مدينةً مبدعة في الأدب.
لا تزال المهرجانات الثقافية ودور النشر تعيد إحياء روحها، فيما تسعى لاستعادة دورٍ قيادي في الفكر العربي.
تبرهن بغداد عبر العصور أن المدن ليست مجرد مراكز حكم أو اقتصاد؛ بل يمكنها أن تصبح بوتقاتٍ للإبداع الإنساني، فتُطلق أفكاراً تُغيّر وجه العالم.