إذا كانت جلسات الصباح مخصصة لفنون التصميم، فإن فترة الظهيرة في “مهرجان دبي مول للموضة” انتقلت مباشرة إلى لغة الأرقام الصريحة. في جلسة بعنوان “الأزياء، التمويل والنمو”، أدارت الإعلامية راميا فراج نقاشاً كشف عن تحول جذري في نظرة المجتمع الاستثماري العالمي للشرق الأوسط.
ضمت الجلسة قائمة قوية من الخبراء: ريتو أوبادياي، مديرة مكتب الشرق الأوسط في صحيفة Women’s Wear Daily (WWD)؛ فايزة بوقصة، مؤسسة علامة “بوقصة” العالمية؛ أليكس بيكر، المستثمر والرئيس التنفيذي لشركة “ريتيل تك إكس”؛ وليزا ركني، خبيرة استراتيجيات العلامات التجارية.
التحول الكبير: فرصة بـ 90 مليار دولار
قدمت ريتو أوبادياي السياق الأهم للجلسة، معلنة أن الشرق الأوسط قد تخرج من كونه مجرد مستهلك سلبي للفخامة ليصبح صانعاً ومستثمراً نشطاً.
قالت أوبادياي: “لقد تحولت المنطقة من مجرد ‘سوق’ إلى ‘مركز’ (Hub)”.
وأشارت إلى أنه مع تباطؤ نمو الفخامة في الصين، تحول العالم بأسره نحو الخليج، مستشهدة برقم مذهل: “90 مليار دولار هي قيمة سوق الأزياء الفاخرة هنا في المنطقة”.
كما نوهت إلى أن عمالقة التجزئة مثل مجموعة شلهوب يغيرون استراتيجياتهم، حيث انتقلوا من كونهم مجرد شركاء امتياز (Franchise Partners) إلى مستثمرين نشطين في علامات عالمية مثل ويلي شافاريا، مما يثبت نضج وطموح النظام البيئي المحلي.
اعتراف المؤسِسة: الإرشاد أهم من المال
في لحظة فاجأت حتى المشاركين معها في المنصة، كشفت فايزة بوقصة أنه رغم النجاح العالمي لعلامتها ومسيرتها الممتدة لـ 11 عاماً، إلا أنها لم تحصل على استثمار خارجي حتى الآن.
اعترفت بوقصة: “لقد تعلمت بالطريقة الصعبة”، داعية لتبني نهج “الإرشاد أولاً”. وشاركت تجربتها المفصلية بقضاء ثلاثة أيام مع المصمم الأسطوري رولاند موريه (Roland Mouret)، والتي منحتها خارطة طريق كانت بحاجتها أكثر من المال.
وحذرت المؤسسين الطموحين قائلة: “إذا بقيت في حالة فوضى وحصلت على تمويل، فلن يتمكن أحد من مساعدتك”. وقد أشاد الحضور باستراتيجيتها في بناء عمل تجاري صحي ومستدام ذاتياً قبل البحث عن رأس المال.
معادلة “المدير والساحر”
قام المستثمر أليكس بيكر بتفكيك المعادلة الناجحة للشركات الناشئة، مستخدماً إطار عمل مستوحى من مجموعة “LVMH”: “أنت بحاجة إلى الجنرال وإلى الفنان”.
وأوضح بيكر أنه بينما يحب المستثمرون الرؤية الإبداعية (“الساحر”)، إلا أن العمل التجاري لا يمكن توسيعه بدون مدير برغماتي (“CEO”). وحذر المؤسسين من جمع الأموال في وقت مبكر جداً: “من السهل دائماً إنفاق أموال شخص آخر.. لكن إذا رأينا أنهم لا يفهمون الجانب التجاري، فإننا نبقيهم تحت المراقبة ولكن نؤجل الاستثمار”.
نموذج “الأسهم مقابل الخدمات”
سلطت ليزا ركني الضوء على اتجاه متنامٍ للمبدعين الذين يواجهون نقصاً في السيولة: نموذج “الأسهم مقابل الخدمات”. وأوضحت كيف أن شركتها الاستشارية تحصل الآن على حصة في العلامات التجارية مقابل الدعم الاستراتيجي طويل الأجل بدلاً من الرسوم المقدمة. ونصحت ركني قائلة: “الأمر يتعلق بمعاملة المستثمرين كشركاء أذكياء، وليس مجرد مقرضين”.
حقيقة “استراتيجيات التخارج”
اختتمت الجلسة بوقفة واقعية حول “استراتيجيات التخارج” (Exit Strategies). أشارت أوبادياي إلى أنه بعكس شركات التكنولوجيا، فإن علامات الأزياء هي مشاريع شخصية جداً. واستشهدت بصفقة كريستيان لوبوتان الأخيرة مع “مكتب عائلي” (Family Office) بدلاً من تكتل تجاري ضخم، كمثال رئيسي على كيفية بحث مؤسسي الأزياء عن “رأس مال صبور” يحترم هوية علامتهم.
واختتمت ركني قائلة: “المؤسسون لا يفكرون في التخارج، بل يفكرون في النمو.. وطالما أثبتوا النمو، سيرى المستثمر الفرصة”.




