فيلم «العربي» للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل في المسابقة الرسمية بروتردام

«العربي» يشارك في مهرجان روتردام السينمائي، مستعيدًا صوت الضحية المغيّب عبر سرد بصري وجمالي يمزج الذاكرة بالخيال والتأمل الإنساني.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

يشارك فيلم "العربي" للمخرج مالك بن إسماعيل في مهرجان روتردام، مستلهمًا رواية كامل داود، ليعيد الاعتبار لشخصية "العربي" المقتول بلا اسم في رواية "الغريب" لألبير كامو. الفيلم يتأمل في السرد، الذاكرة، ومن يملك الحق في رواية التاريخ، عبر قصة شقيق الضحية الذي يكشف روايته الخاصة بعد عقود.

النقاط الأساسية

  • فيلم "العربي" يشارك في مهرجان روتردام ويطرح أسئلة حول الذاكرة والتمثيل.
  • الفيلم يعيد قراءة رواية "الغريب" عبر منح الضحية اسمًا وصوتًا.
  • يستكشف الفيلم العلاقة بين السرد، التاريخ، والعدالة في مجتمعات ما بعد الاستعمار.

يشارك فيلم «العربي» للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل في المسابقة الرسمية لمهرجان روتردام السينمائي الدولي، ليطرح واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا في السينما المعاصرة: ماذا يحدث حين تقرر الصورة أن تعيد للضحية اسمها، بعد عقود من التهميش والنسيان؟ فالفيلم، المقتبس بحرية عن رواية ميرسو.. تحقيق مضاد للكاتب الجزائري كامل داود، لا يعيد فقط قراءة واحدة من أشهر روايات القرن العشرين، بل يقترح إعادة بناء الذاكرة من موقع طالما أُقصي عن السرد.

منذ نشر ألبير كامو روايته الغريب عام 1942، تحولت شخصية «العربي» المقتول على الشاطئ إلى رمز للغياب. رجل يُقتل بلا اسم، بلا ماضٍ، وبلا معنى يتجاوز كونه لحظة عابرة في مسار البطل الأوروبي. هذا الصمت الذي أحاط بالضحية لم يكن مجرد خيار أدبي، بل تعبيرًا عن مناخ فكري وثقافي تشكّل في سياق استعماري، جعل من العربي كائنًا هامشيًا في الحكاية، حاضرًا بوصفه خلفية لا أكثر. بعد أكثر من سبعين عامًا، جاءت رواية كامل داود لتكسر هذا الصمت، وتمنح القتيل اسمًا هو «موسى»، وتمنحه أخًا يتكلم، وذاكرة ترفض أن تُمحى.

في «العربي»، ينطلق مالك بن إسماعيل من هذه الفكرة الجوهرية، لكنه لا يكتفي بنقلها حرفيًا إلى الشاشة. الفيلم لا يسعى إلى إعادة تمثيل رواية كامو، ولا إلى تفنيدها أدبيًا، بل يبني عالمه الخاص، حيث تتحول الحكاية إلى مساحة للتأمل في معنى السرد نفسه، وفي سؤال من يملك الحق في أن يروي، ومن يُترك خارج النص. هنا، لا يصبح القتل حدثًا جنائيًا فحسب، بل فعلًا رمزيًا يمتد أثره عبر الزمن، ويعيد تشكيل مصائر الأحياء بقدر ما أنهى حياة القتيل.

تدور أحداث الفيلم حول هارون، شقيق موسى، الذي يكشف بعد مرور نصف قرن على الجريمة روايته الخاصة لما حدث، خلال ليلة طويلة في حانة بمدينة وهران. هذا الإطار السردي البسيط يفتح المجال أمام بناء معقّد يتداخل فيه الماضي بالحاضر، والذاكرة بالخيال، والاعتراف بالشك. شهادة هارون لا تُقدَّم بوصفها حقيقة نهائية، بل كصوت خرج متأخرًا، محمّلًا بثقل الصمت الطويل، وبغضب مكتوم تجاه تاريخ لم يمنحه فرصة الكلام.

اختيار مالك بن إسماعيل لهذا البناء السردي يعكس خلفيته الطويلة في السينما الوثائقية. فرغم أن «العربي» هو أول أفلامه الروائية الطويلة، فإن حس الوثائقي يظل حاضرًا بقوة في طريقة التعامل مع الزمن، ومع الشهادة، ومع العلاقة بين الراوي والحقيقة. الفيلم لا يدّعي امتلاك جواب واحد، ولا يقدم سردية مغلقة، بل يترك الأسئلة مفتوحة، ويُشرك المتفرج في عملية البحث نفسها، وكأنه يدعوه إلى إعادة التفكير في ما اعتبره يومًا نصًا مكتملًا.

جماليًا، يعتمد الفيلم على لغة بصرية هادئة، تميل إلى البناء الكلاسيكي، مع توظيف مدروس للألوان والأبيض والأسود، في انعكاس واضح للتوتر بين الذاكرة والحاضر. الإيقاع المتأنّي يمنح المساحة للكلمات والصمت على حد سواء، ويُحمّل التفاصيل الصغيرة – نظرة، حركة، صمت طويل – معاني تتجاوز الحوار المباشر. هنا، لا تُستخدم السينما لإعادة تمثيل الحدث، بل لاستحضار أثره النفسي والإنساني.

Advertisement

في هذا السياق، لا يبدو «العربي» فيلمًا عن الماضي فقط، بل عن الحاضر أيضًا. فأسئلة الهوية، والانتماء، والعدالة المؤجلة، لا تزال مطروحة بقوة في مجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع التاريخ الرسمي، وغالبًا ما يتم إسكات الأصوات غير المرغوب فيها. الفيلم يذكّر بأن الاستعمار لا ينتهي بخروج المحتل، بل يستمر في اللغة، وفي السرد، وفي الطريقة التي تُروى بها الحكايات.

مشاركة «العربي» في المسابقة الرسمية لمهرجان روتردام تمنحه سياقًا دوليًا يتناسب مع طبيعته الفكرية والجمالية. فالمهرجان، المعروف بانحيازه للأعمال التي تطرح أسئلة جريئة وتتجاوز الأشكال التقليدية، يشكّل منصة مثالية لفيلم لا يسعى إلى الإرضاء السهل، بل إلى زعزعة المسلّمات. وجود الفيلم ضمن المسابقة يعكس اهتمامًا متزايدًا من المهرجانات الكبرى بأصوات سينمائية قادمة من الجنوب، لا بوصفها «أصواتًا هامشية»، بل بوصفها شريكًا أساسيًا في النقاش السينمائي العالمي.

في «العربي»، لا تتحول الرواية إلى بيان سياسي مباشر، ولا إلى خطاب اتهامي، بل إلى مساحة تأمل في العلاقة المعقدة بين الأدب والتاريخ والسينما. فمالك بن إسماعيل لا يقدّم نفسه كقاضٍ، بل كمستمع متأخر، يحاول أن يمنح الصوت لمن حُرموا منه طويلًا. هذا الخيار يجعل الفيلم أكثر إنسانية وأقل ادعاءً، ويمنحه قوة نابعة من الصدق لا من الشعارات.