في الأول من مارس، أصدر آية الله العظمى علي السيستاني، البالغ من العمر خمسة وتسعين عاماً، بياناً من مقره في مدينة النجف العراقية ينعى فيه المرشد الإيراني الأعلى، واصفاً إياه بـ “الشهيد”، ومشيداً بقيادته “الفريدة”، وداعياً الإيرانيين إلى الوحدة في مواجهة المعتدين. بالنسبة للمراقب العابر، بدا هذا البيان وكأنه اصطفاف صلب لجبهة التشيع العالمي خلف طهران في أعقاب عملية “الغضب الملحمي” وتدمير مجمع شارع باستور. لكن بالنسبة للمدققين في الشأن اللاهوتي والسياسي، كان بيان السيستاني بمثابة تمرين كلاسيكي في الدبلوماسية الوقائية؛ تضامن علني مع “الدولة” لمنع الانهيار الإقليمي، يتستر على رفض هيكلي عميق لنموذج “العمامة الحاكمة” الذي يحتضر الآن تحت أنقاض العاصمة الإيرانية.
لقد قامت الجمهورية الإسلامية قبل نحو نصف قرن على نظرية “ولاية الفقيه المطلقة”، وهي فكرة راديكالية حاولت دمج المرجعية الدينية بالسلطة التنفيذية. مدرسة النجف “اللاسياسية”، التي يمثلها السيستاني، راهنت دائماً على أن هذا الدمج سينتهي بإفلاس الطرفين، وأن احتكار رجال الدين لقرارات السلم والحرب سيستنزف رصيدهم الأخلاقي. اليوم، يبدو أن التاريخ يمنح النجف حق امتياز هذه الرؤية. فالأزمة الحالية في طهران لا تقتصر على خسارة الأصول العسكرية أو البنية التحتية، بل تتعداها إلى ما يمكن وصفه بـ “الاستحواذ العدائي” (Hostile Takeover) الذي يمارسه الحرس الثوري على ما تبقى من المؤسسة الدينية في مدينة قم.

يتجلى هذا الاستحواذ في هندسة الكواليس التي تحيط بمجلس خبراء القيادة. فرغم النفي الرسمي للحكومة الإيرانية حول حسم خليفة المرشد وتأكيدها أن المجلس، المكون من ثمانية وثمانين رجل دين، لا يزال يتداول خيارات عدة، إلا أن مجرد تسيد اسم مجتبى خامنئي للمشهد كمرشح مفضل لجنرالات الحرس، يمثل انحرافاً معيارياً حاداً. الرجل البالغ من العمر ستة وخمسين عاماً يحمل رتبة “حجة الإسلام”، وهي مرتبة إدارية في سوق الفقه لا ترقى لدرجة “الاجتهاد”. صحيح أن تعديلات دستور عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين قد وفرت مخرجاً قانونياً مرناً عبر إسقاط شرط “المرجعية” والاكتفاء بـ “الكفاءة الفقهية”، إلا أن الدفع بمجتبى اليوم، وتهميش آيات الله الكبار، لا يعكس مرونة دستورية بقدر ما يعكس حاجة المؤسسة العسكرية لمدير تنفيذي موثوق أمنياً، لا لزعيم روحي.

إن مساعي الحرس الثوري لفرض وصايته على قرار مجلس الخبراء، سواء أفضت إلى تنصيب مجتبى أو غيره من المقربين للثكنة، تعني عملياً تحويل منصب الولي الفقيه من مصدر للشرعية إلى متلقٍ لها من فوهات البنادق. هذا التدهور في أسهم “التشيع الدولتي” يقابله ارتفاع هادئ في قيمة “التشيع الروحي” في النجف. فبينما تُجبر حوزة قم على تفصيل فتاوى ومناصب تتواءم مع ضرورات البقاء الأمني ومتطلبات اقتصاد الحرب، تحافظ النجف على استقلاليتها الصارمة، محتفظة بمسافة آمنة عن السياسات الفاشلة، ومقدمة نفسها كملاذ آمن لملايين المقلدين الذين يبحثون عن إرشاد ديني غير ملوث بالدماء والانهيارات الاقتصادية.
لا تحتاج النجف إلى إعلان الشماتة أو الانشقاق، فالأسواق الأيديولوجية تصحح نفسها بنفسها. بيان السيستاني الذي عزّى فيه طهران، هو في جوهره رثاء لنموذج سياسي استنفد صلاحيته. وبينما يكافح جنرالات الحرس الثوري لإلباس العمامة لمرشحهم القادم وسط ركام العاصمة، يراقب السيستاني المشهد بهدوء، مدركاً أن زواج السلطة المطلقة بالدين قد أثمر أزمته النهائية، وأن البوصلة الروحية للمذهب قد بدأت بالفعل رحلة العودة، بهدوء وثبات، إلى مرقد الإمام علي في العراق.




