في غضون أقل من عقد واحد، برزت فئة من الطائرات المسيرة التي لا تتجاوز تكلفتها التقديرية خمسين ألف دولار كعنصر فاعل في إعادة قراءة مفاهيم القوة الجوية والدفاعات التقليدية. “شاهد-136″، التي تُعرف بصوتها الناتج عن محركها المكبسي، أصبحت مادة للدراسة والتحليل المعمق في مراكز التخطيط الاستراتيجي الدولية. لا تُصنف هذه الطائرة كمنتج تقني فائق التعقيد، بل تعتمد على فلسفة هندسية تقوم على مبدأ أن الكثافة العددية الموجهة بدقة كافية يمكن أن تشكل تحدياً للمنظومات الدفاعية النوعية. يرصد هذا التقرير المسار التقني لهذه الفئة، من بداياتها التصنيعية وصولاً إلى دورها في النزاعات المعاصرة عام 2026.
أدت التحولات السياسية في نهاية السبعينيات إلى توقف تدفق قطع الغيار للمعدات الجوية التقليدية من المصادر الغربية. ومع فرض قيود تصديرية صارمة في الثمانينيات، واجه قطاع الطيران تحديات كبيرة في صيانة الأساطيل الجوية القديمة من طراز F-14 وF-4 وF-5، مما دفع نحو البحث عن بدائل غير تقليدية لسد الفجوة في القدرات الجوية.
وخلال الثمانينيات، اتجهت الجهود الهندسية نحو تطوير طائرات غير مأهولة كحل اقتصادي وعملي. وفي عام 1985، تم تأسيس “شركة صناعات الطيران القدس” لتكون ذراعاً لتطوير تقنيات الطيران المسير. أنتجت هذه الشركة طراز “مهاجر-1″، وهي طائرة استطلاع أولية زودت بكاميرات ثابتة، ومثلت حجر الأساس لتطور هذه الصناعة لاحقاً.
انضمت شركة صناعات الطائرات الإيرانية (HESA) إلى منظومة التطوير الدفاعي بشكل مكثف بعد عام 1989. وخلال التسعينيات، تم دمج الخبرات التقنية لإنتاج جيل جديد من المسيرات. ومع منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، انتقل البرنامج من مرحلة طائرات الاستطلاع البسيطة إلى مرحلة الطائرات القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة باستخدام أنظمة ملاحة مستقلة بعيدة المدى.
تعتمد الفلسفة التصميمية لهذه المنظومات على مبدأ “الإغراق الكمي”؛ حيث يتم الاعتماد على أعداد كبيرة من الوحدات منخفضة التكلفة للتعامل مع القدرات الدفاعية المتقدمة. هذا التوجه أدى إلى ظهور ما يسمى تقنياً بـ”الذخائر المتسكعة” أو المسيرات الانتحارية، والتي تعتمد على توازن دقيق بين الكفاءة الهندسية والتكلفة الإنتاجية.
المحرك المكبسي MD-550
يعتمد اختيار المحرك المكبسي لمسيرات “شاهد” على منطق اقتصادي ولوجستي واضح. المحرك MD-550 يتميز بأربع أسطوانات متعاكسة، وهو مبرد بالهواء وذو دورة ثنائية الشوط، بقدرة تصل إلى 50 حصاناً ووزن جاف يقارب 16 كيلوغراماً. يستند هذا التصميم إلى نماذج تجارية تُستخدم عادة في طائرات الهواة والرياضات الجوية، مما يجعله متاحاً خارج نطاق القيود التكنولوجية المعقدة.
تكمن الميزة التقنية للمحرك المكبسي في انخفاض استهلاكه للوقود مقارنة بالمحركات النفاثة، مما يتيح للمسيرة قطع مسافات تصل إلى 2,500 كيلومتر بسرعة متوسطة تبلغ 185 كم/ساعة. كما أن سهولة تصنيعه وصيانته تجعل من إنتاجه بكميات ضخمة أمراً متاحاً. ويعد الضجيج الصوتي الناتج عنه السمة الأساسية لهذا الاختيار، وهو ناتج عن طبيعة المحركات ثنائية الشوط.
يُستخدم في تصنيع هيكل “شاهد-136” خليط من ألياف الكربون والحشوات الخلوية (Honeycomb Composite). هذا الاختيار يهدف إلى تقليل الوزن الكلي وزيادة المدى، بالإضافة إلى خصائص المواد المركبة في تقليل الانعكاس الراداري. فالمواد غير الموصلة تعمل على تشتيت أو امتصاص جزء من موجات الرادار، مما يقلص “المقطع العرضي الراداري” (RCS). وفي النسخ التي ظهرت عام 2024، تمت إضافة طلاءات خاصة لتعزيز هذه الخاصية، خاصة عند الطيران على ارتفاعات منخفضة لتجنب الكشف المبكر.
تعمل “شاهد-136” من خلال منظومة ملاحية صُممت لضمان الوصول إلى الهدف حتى في بيئات التشويش الإلكتروني:
- الملاحة الفضائية: تعتمد على دمج إشارات أنظمة GPS وGLONASS لتعزيز استمرارية استقبال الإشارة.
- أنظمة مكافحة التشويش (CRPA): تستخدم هوائيات متطورة قادرة على تصفية إشارات التشويش الخارجي باستخدام معالجات رقمية.
- تقنية RTK: تستخدم بعض النسخ شبكات الاتصال الخلوية (3G/LTE) لتصحيح الموقع بدقة عالية عبر البنية التحتية المحلية.
- نظام القصور الذاتي (INS): في حال انقطاع كافة الإشارات الخارجية، يعتمد النظام على الجيروسكوبات الداخلية للحفاظ على المسار، حيث تُشير التقارير إلى أن المسيرة تعتمد على هذا النظام في أغلب مراحل رحلتها لتقليل التوقيع الإلكتروني.
التسلسل الهرمي للعائلة
| المواصفة | شاهد-131 (Geran-1) | شاهد-136 (Geran-2) | شاهد-238 (Geran-3) |
| الطول | 2.6 م | 3.5 م | 3.5 م |
| الجناح | 2.2 م | 2.5 م | 3 م |
| الوزن الإجمالي | 135 كغم | 200 كغم | 380 كغم |
| المحرك | مكبسي MD-550 | مكبسي MD-550 | نفاث Toloue-10 |
| السرعة | 185 كم/ساعة | 185 كم/ساعة | 500–600 كم/ساعة |
| المدى التقديري | 900 كم | 2,000–2,500 كم | ~1,200–1,500 كم |
| سقف الطيران | — | 4,000 م | ~9,000 م |
| الرأس الحربي | 15 كغم | 30–90 كغم | ~50 كغم |
| نظام التوجيه | GPS/GLONASS/INS | GPS/GLONASS/INS/CRPA | GPS/INS + باحث حراري/راداري |
شاهد-131: النسخة التكتيكية الأخف، تُستخدم للضربات قصيرة المدى وتتميز بمرونة عالية في الإطلاق.
شاهد-136: النسخة الأكثر انتشاراً، وتعد الركيزة الأساسية لعمليات الاستنزاف بعيد المدى. شهدت تطويرات في عام 2025 شملت رؤوساً حربية بوزن 90 كغم ووحدات معالجة للذكاء الاصطناعي لاستهداف آلي.شاهد-238: تمثل الانتقال إلى الدفع النفاث، مما يرفع سرعتها إلى مستويات تجعل اعتراضها بواسطة المدافع الآلية التقليدية أكثر صعوبة، كما تتوفر بنماذج مزودة بباحثات حرارية ورادارية لمهمات متخصصة.




