لم يعد العمل من المنزل مجرد خيار مؤقت فرضته الظروف، بل أصبح أسلوب حياة جديد يغيّر ملامح بيئة العمل الحديثة. فبعد أن كان الحضور إلى المكتب رمزًا للالتزام والانضباط، أصبح بإمكان الكثيرين اليوم أداء مهامهم من منازلهم، بفضل التطور التكنولوجي وتوفر أدوات التواصل الرقمية التي قربت المسافات وقللت الحاجة إلى الوجود المادي في مكان العمل.
هذا التحول الكبير جلب معه فرصًا ومكاسب عديدة، فقد أتاح للموظفين حرية تنظيم أوقاتهم بما يتناسب مع إيقاع حياتهم اليومية، وساعد الكثيرين على تحقيق توازن أفضل بين حياتهم الشخصية والمهنية. فالعمل من المنزل يمنح نوعًا من الراحة الذهنية والمرونة، ويخفف من أعباء التنقل اليومية التي كانت تستنزف الوقت والطاقة، كما يتيح بيئة أكثر هدوءًا تساعد على التركيز والإنتاج في بعض المجالات التي تعتمد على التفكير الفردي أو الإبداع الذاتي.
لكن في المقابل، لا تخلو التجربة من تحديات واضحة. فالبقاء الطويل في المنزل قد يولّد شعورًا بالعزلة أو الملل، ويقلل من فرص التواصل الاجتماعي التي كانت تحدث تلقائيًا في بيئة العمل التقليدية. كما أن غياب الحدود الواضحة بين العمل والحياة الخاصة قد يجعل بعض الموظفين يشعرون بأنهم يعملون طوال الوقت دون راحة حقيقية. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الإرهاق الذهني أو حتى الفتور المهني.
العمل من المنزل هو سيف ذو حدّين؛ يمنح الحرية لكنه يتطلب انضباطًا ذاتيًا عاليًا، ويمنح الهدوء لكنه قد يزرع الوحدة. لذلك، يختلف أثره من شخص لآخر تبعًا لطبيعة العمل، وشخصية الفرد، ومدى قدرته على إدارة وقته وتنظيم حياته اليومية. فالبعض يجد فيه فرصة للتركيز وتحقيق الذات، بينما يراه آخرون تجربة تحدّ من حيويتهم وتفاعلهم مع العالم.
يمكن القول إن العمل من المنزل تجربة إنسانية معقدة تمزج بين الراحة والمسؤولية، بين العزلة والإبداع. إنها ليست مجرد طريقة جديدة للعمل، بل هي تحوّل في الفكر والسلوك وطريقة الحياة، يتطلب منا جميعًا أن نتعلم كيف نوازن بين الحرية والالتزام، وبين الخصوصية والتواصل، حتى نحافظ على جودة حياتنا وإنتاجنا في الوقت نفسه.

وفي حوار خاص مع منصة “لنا”، تحدث بيدرو لاسيردا، نائب الرئيس الأول لمجموعة تاسك، عن واقع العمل عن بُعد، وتأثيره على الإنتاجية والتفاعل بين الموظفين، والتحديات الإدارية التي تواجه المؤسسات في ظل التحول الرقمي المتسارع.
استهل لاسيردا حديثه بالتأكيد على أن العمل عن بُعد أصبح سمة بارزة في بيئة العمل الحديثة، خاصة بعد الجائحة، إذ أجبرت الظروف المؤسسات على إعادة التفكير في مقاييس الإنتاجية التقليدية مع انتقال الموظفين من المكاتب إلى البيئات المنزلية. ويرى أن العمل من المنزل يمكن أن يعزز الإنتاجية إذا توفرت البنية الداعمة المناسبة، من أهداف واضحة وأدوات تعاون رقمية فعّالة وإدارة قائمة على النتائج.
وأوضح أن مرونة العمل عن بُعد حظيت بإشادة واسعة، مشيرًا إلى أن الإنتاجية لا تتعلق بالموقع الجغرافي بقدر ما تتعلق بكيفية تنظيم العمل وإدارته. فبينما تحقق بعض الوظائف الفردية – مثل تطوير البرمجيات وتحليل البيانات – تحسنًا في الأداء عند تنفيذها عن بُعد، تظل الوظائف التعاونية التي تتطلب تواصلاً مباشرًا أكثر فاعلية داخل المكاتب أو في النماذج الهجينة.
وحول الاختلاف في الأداء بين الموظفين في المكتب وأولئك الذين يعملون من المنزل، أوضح لاسيردا أن المسألة لا ترتبط بالمكان بقدر ما ترتبط بطبيعة الدور وهيكل العمل. فالنموذج الهجين – الذي يجمع بين الحضور المكتبي والعمل عن بُعد – يوفّر توازنًا مثاليًا بين الإنتاجية والشمولية، إذ يمكن للأفراد مواءمة ساعات عملهم مع ذروة نشاطهم وإعادة توجيه وقت التنقل نحو الراحة أو الإنجاز المهني.
وأشار إلى أن المهام المستقلة والقابلة للقياس تحقق أداءً مساوياً أو أفضل من المكاتب، بينما تتفوّق بيئة المكتب في المهام التي تعتمد على التفاعل المباشر والتوجيه اللحظي، نظرًا لدور الثقة والعلاقات الشخصية في تحفيز الفرق.
وفي ما يتعلق بـ تحديات الإدارة في متابعة أداء الموظفين عن بُعد، أوضح أن هذه التجربة رغم مزاياها الواضحة من حيث المرونة والإنتاجية، إلا أنها تطرح صعوبات في التواصل وبناء الثقة داخل الفريق. وأشار إلى أن الحل يكمن في اعتماد مقاييس أداء قائمة على النتائج بدلاً من مراقبة الحضور، مع الاستثمار في أدوات التعاون وبناء ثقافة قائمة على الشفافية والاجتماعات الدورية التي تضمن بقاء الجميع على المسار ذاته.
أما عن تأثير العمل عن بُعد على التفاعل بين الموظفين وبناء العلاقات داخل الفريق، فيرى لاسيردا أن العلاقات لا تضعف بالضرورة، لكنها تحتاج إلى جهد مقصود للحفاظ عليها. ويقترح حلولاً بسيطة وفعالة مثل جلسات القهوة الافتراضية، ونظام الزملاء (Buddy System)، والاجتماعات الجماعية المنتظمة، لضمان استمرار روح الفريق حتى في البيئات البعيدة.
ويضيف: “العمل عن بُعد يمنح الموظفين مرونة كبيرة في إدارة وقتهم، لكنه قد يقلل من اللحظات العفوية لتبادل الأفكار والتوجيه الفوري التي نراها عادة في المكاتب، ولذلك فإن النموذج الهجين هو الأمثل، لأنه يجمع بين حرية العمل عن بُعد وديناميكية التفاعل الإنساني”.
ويختم لاسيردا حديثه بالتأكيد على أن العمل من المنزل لم يعد رفاهية كما في السابق، بل أصبح ميزة تنافسية حقيقية لجذب الكفاءات والاحتفاظ بالموظفين المتميزين، شريطة وجود انضباط ذاتي وبيئة منزلية داعمة. ويضيف أن النجاح في هذا النمط من العمل يعتمد على الثقة المتبادلة بين الموظف والإدارة، وعلى وضوح مؤشرات الأداء.
ويخلص إلى أن النظام الهجين هو الأفضل على الإطلاق، لأنه يجمع بين مرونة المنزل وقوة الحضور المكتبي، مشيرًا إلى أن المؤسسات التي تبني ثقافة تقوم على الثقة، والشفافية، وتوازن الحياة والعمل، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق إنتاجية مستدامة وبيئة عمل إنسانية في المستقبل.
ويقول في رأيي الشخصي، النظام الهجين هو الأفضل على الإطلاق، فهو يجمع بين رفاهية المرونة وبناء ثقافة مؤسسية قوية.
كما أن الثقة التي تمنحها الإدارة للموظف، مع وجود مؤشرات أداء واضحة، هي العامل الحاسم في رفع الإنتاجية سواء كان يعمل من المكتب أو من المنزل.

واستضافت منصة “لنا”،إيفان معوض، مديرة الموارد البشرية في الشرق الأوسط وأفريقيا بشركة Mölnlycke Health Care، للحديث عن واقع العمل من المنزل، وأثره على الإنتاجية، والتحديات الإدارية، وتأثيره على العلاقات داخل بيئة العمل.
توضح معوض في بداية حديثها أن العمل من المنزل لم يعد رفاهية كما كان في السابق، بل أصبح خلال السنوات الخمس الأخيرة ميزة تنافسية أساسية تجذب الكفاءات وتساعد في الاحتفاظ بالموظفين المتميزين. وتضيف:
“الشعور بأن الشركة والمدير المباشر يثقون بالموظف ليكون مسؤولاً عن وقته وأدائه، يعزز الولاء والانتماء ويمنحه إحساسًا بالتمكين الذاتي.”
وترى أن تقليل الوقت والمجهود الضائع في التنقل إلى مقر العمل ينعكس إيجابيًا على التركيز والإنتاجية. لكنّها تشير إلى أن الإجابة على سؤال: هل يزيد العمل من المنزل الإنتاجية؟ ليست مطلقة، إذ تعتمد على طبيعة الوظيفة وشخصية الموظف نفسه.
وتوضح أن طبيعة الوظيفة تحدد بشكل كبير مستوى الإنتاجية؛ فالأعمال الفردية مثل تصميم الجرافيك، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، والبرمجة، غالبًا ما تزدهر في بيئة العمل عن بُعد، بينما تتأثر الوظائف الميدانية أو التي تتطلب تواصلاً مباشرًا — مثل الاستقبال والمبيعات — سلبًا عند نقلها إلى المنزل.
أما من ناحية طبيعة الموظف، فتؤكد معوض أن النجاح في العمل عن بُعد يعتمد على الانضباط الذاتي وإدارة الوقت، إضافة إلى تهيئة بيئة منزلية هادئة وصحية تساعد على التركيز دون إجهاد بدني. وتضيف أن النظام الهجين هو النموذج الأنسب لتحقيق التوازن، إذ يمنح الموظف حرية العمل من المنزل في بعض الأيام، ومن المكتب في أيام أخرى، مما يحقق توازنًا مثاليًا بين الإنتاجية والتفاعل.
وعن الفرق في الأداء بين العاملين من المكتب ومن يعملون عن بُعد، تقول معوض إن الأداء يختلف تبعًا لطبيعة المهام ومؤشرات الأداء (KPIs). فالمهام التي تتطلب تركيزًا عاليًا واستقلالية تتأثر إيجابًا بالعمل من المنزل، بينما تزدهر المهام الجماعية أكثر داخل المكتب. وتضيف:
“في رأيي الشخصي، النظام الهجين هو الأفضل على الإطلاق، فهو يجمع بين رفاهية المرونة وبناء ثقافة مؤسسية قوية. كما أن الثقة التي تمنحها الإدارة للموظف، مع وجود مؤشرات أداء واضحة، هي العامل الحاسم في رفع الإنتاجية سواء كان يعمل من المكتب أو من المنزل.”
وحول التحديات التي تواجه الإدارة في متابعة أداء الموظفين عن بُعد، تؤكد معوض أن أبرزها هو انخفاض روح الفريق والانتماء المؤسسي مع مرور الوقت، وصعوبة القياس الموضوعي للأداء في حال غياب مؤشرات واضحة، إلى جانب ضعف التواصل اللحظي بين الزملاء. وتشير إلى أهمية تفعيل الكاميرات خلال الاجتماعات الافتراضية واستخدام أدوات تقنية فعالة مثل Microsoft Teams، للتغلب على هذه الفجوة.
كما تلفت إلى تحديات تقنية مثل ضعف الإنترنت أو غياب الدعم الفني السريع عند حدوث مشكلات، مشددة على أهمية وجود مدير ناضج ومتزن قادر على متابعة الفريق بحكمة والتعامل مع أي محاولات لاستغلال مرونة هذه السياسة.
أما عن تأثير العمل عن بُعد على العلاقات بين الموظفين والتفاعل داخل الفريق، فتؤكد معوض أنه يؤثر غالبًا على الجانب الإنساني والتواصل الاجتماعي اليومي، إذ تقل فرص التفاعل العفوي وتبادل الخبرات. لكنها تضيف أن الحل بسيط وفعّال في الوقت نفسه، من خلال تنظيم أنشطة اجتماعية افتراضية مثل جلسات القهوة الافتراضية، واللقاءات الشهرية في المكتب (كغداء أو إفطار جماعي)، والاحتفال بمناسبات الموظفين وأعياد ميلادهم.
وتختتم معوض حديثها مؤكدة أن هذه المبادرات تساعد على الحفاظ على روح الفريق وتعزيز الثقة والانتماء حتى في بيئة العمل المرنة. وتقول:
“العمل من المنزل ليس مجرد خيار وظيفي مؤقت، بل هو تحول ثقافي واستراتيجي في عالم الأعمال. النجاح فيه لا يتحقق بالموقع الجغرافي، بل بالثقة المتبادلة، والوضوح في التوقعات، والقدرة على خلق بيئة عمل متوازنة تجمع بين الحرية والانضباط.”.
هبة الأحمد ،تعمل في مجال السوشيال ميديا، تحدثت لمنصة لنا عن تجربتها الشخصية وقالت: منذ أن بدأت رحلتي في العمل من المنزل، كنت أظن أنني سأحصل على الراحة والمرونة التي كنت أبحث عنها. في البداية، كان الأمر ممتعًا أن أعمل في مكاني المفضل دون الحاجة إلى الخروج أو الالتزام بمواعيد صارمة، لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن هذه التجربة لم تكن مثالية كما تخيلت.
قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة في المنزل جعل حياتي أكثر هدوءًا، لكنها أيضًا أصبحت أكثر رتابة. مع قلة الحركة وعدم الخروج اليومي، زاد وزني بشكل ملحوظ، وشعرت أن طاقتي الجسدية تتراجع يومًا بعد يوم. ومع الانعزال الطويل، بدأت ألاحظ أنني أصبحت أكثر انطواءً، لا أجد الحماس للقاء الأصدقاء أو حتى للتحدث مع الناس كما كنت من قبل.
العمل من المنزل منحني فرصة التركيز والإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه أخذ مني جانبًا مهمًا من الحياة الاجتماعية والتوازن النفسي. شعرت أنني محاطة بجدران غير مرئية، تفصلني عن العالم الخارجي، ومع الوقت لم أعد أحب التواصل مع الآخرين كما في السابق.
تجربتي علمتني أن العمل من المنزل ليس سهلًا كما يبدو، فهو يتطلب انضباطًا ذاتيًا كبيرًا، وتنظيمًا للوقت، والأهم من ذلك، توازنًا بين الحياة المهنية والشخصية. بدأت أحاول الآن استعادة هذا التوازن من خلال ممارسة الرياضة في المنزل، والخروج للتنزه بين الحين والآخر، والحرص على التواصل مع من أحب.
في النهاية، أدركت أن الراحة ليست فقط في البقاء في المنزل، بل في أن نجد التوازن بين العمل والحياة، بين العزلة والاختلاط، وبين الراحة والإنتاج.
أما أكمل يعمل كصحفي فكانت له نظرة أخرى للعمل في المنزل وقال لمنصة لنا: يمكن وصف تجربة العمل في المنزل بأنها تجربة ثرية،أولًا من حيث الإنتاجية يمكن أن تكون أكبر، وكذلك الجودة ستكون أفضل.
إزالة كثير من الأعباء اليومية الروتينية، والتي غالبًا ما تستنزف جزءًا من وقتك، ستكون في صالح تجربة العمل في المنزل، فهناك وقت مستثمر أكثر من ناحية الاستعداد للدوام، والتأكّد من السيارة، وغيرها من أشياء يمكن أن تضيع جزءًا من وقتك.
أضِف إلى ذلك الأحداث المفاجئة التي قد تؤثر سلبًا على مزاج الموظف في العمل، وبالتالي تقلل من إنتاجيته، مثل حوادث السير والازدحام المروري، وغيرها.
الراحة نسبية، فلا يمكن وصف العمل في المنزل بالراحة، ولكن قد تتاح لك فرص تيسّر العمل أكثر، فالطعام مثلًا لن تكون منزعجًا في تناول وجبة في توقيت معيّن، وبالتالي يكون لها تأثير سالب على عملك، بل بالعكس ستكون لديك فرص أكبر لترتيب الأولويات، وما يجب أن يُنجز، وما الذي يجب تأجيله.
هناك أيضًا جانب إيجابي في العمل في المنزل يتمثل في وجود مصادر أكثر وخيارات تتنقّل بينها، بعكس العمل في المكتب الذي يقيّدك بوجود مجموعة من الزملاء يتشاركون في مصدر أو اثنين. أتحدث هنا عن مجال الإعلام، فلك الخيار في التنقّل بين مصادر الأخبار في كل المنصّات المرئية والمسموعة والمقروءة دون التأثير على حقوق بقية الزملاء، وهذا ينعكس بلا شك على الإنتاجية.
التأثير الاجتماعي للعمل في المنزل، أعتقد، يعتمد على طبيعة العمل الذي يقوم به الفرد. فإذا كنت تعمل طوال حياتك في مجال خدمة العملاء مثلًا، بالتأكيد سيكون هناك تأثير سلبي، ولكن المجالات الإبداعية لا أظن أن الأمر ينطبق عليها، فليس وجودك في المنزل يعني انعزالك عن المجتمع.
الشخص نفسه هو من يحدد بوصلة علاقاته الاجتماعية وكيفية التواصل، ولا تنسَ أنك تعمل في أيامٍ المحيطُ من حولك كله يعمل، وبالتالي لن يكون التواصل متاحًا لك كما لبقية زملائك في المهنة نفسها.




