في سوق يكثر فيه الكلام عن الفخامة والأرقام والمشاريع الضخمة، محمد العبار يأتي في موقع مختلف تماماً. ليس لأنه يملك إعمار، أكبر مطور عقاري في المنطقة، بل لأنه يتحدث بطريقة لا تشبه تحدث رجال الأعمال عادةً، بلا زخرفة ولا مبالغة، وبمنطق يشبه التاجر القديم الذي يعرف أن سمعته هي رأس ماله الحقيقي.
حين سأله صانع المحتوى البارز خالد الخالدي في لقاء ودي عن سر الثقة في السوق العقاري لا يجيبك بأرقام المبيعات أو مساحات المشاريع. يسألك سؤالاً مختلفاً تماماً، “أنت وين شاري، ومع منو شاري، ومين الشركة اللي بتجاوب التليفون؟” هذا السؤال الثلاثي ليس دعاية، بل هو فلسفة كاملة في تعريف ما معنى أن تشتري عقاراً. العبار يرى أن المشتري لا يبحث فقط عن جدران وأسقف، بل عن طرف ثانٍ يستطيع الاتكاء عليه حين تأتي المشكلة، لا حين يوقع العقد فقط.
وهذا بالضبط ما يفرّق بين بيع عقار وبيع سلعة عابرة. “نحن نبيع عقار ما نبيع تشيز برجر بعشر دراهم، نحن نبيع بملايين، وهذا إنسان يستثمر.” الجملة بسيطة لكنها تحمل وزناً ثقيلاً، فهي تذكير بأن كل عملية بيع عقاري هي قرار مصيري في حياة المشتري، وأن الشركة التي تأخذ هذه الملايين ملزمة بعلاقة لا تنتهي عند التسليم. “هل أنت بتشتري مع الواحد اللي يوم تضرب التليفون عندك مشكلة في بيتك بعد سنة أو عشر سنين بيجاوب ويسوي صيانة ويرتب أمورك؟” هذا هو المعيار الحقيقي عنده، أن تجد الشركة حاضرة بعد عقد من الزمن بنفس الجاهزية.
لم تأتِ هذه الفلسفة من فراغ. إعمار التي أسسها العبار عام 1997 سجلت مبيعات قياسية بلغت 80.4 مليار درهم خلال عام 2025، بزيادة 16% مقارنة بعام 2024، وارتفع صافي أرباحها 36% ليصل الاحتياطي الخلفي من المبيعات إلى 155 مليار درهم. والعبار نفسه لا يجعل من هذه الأرقام موضع تباهٍ شخصي، بل يسوقها كدليل على ثقة مكتسبة. “مبيعاتنا هالسنة تبلغ 80 مليار، ويوم الخميس اللي فات مبيعاتنا في يوم واحد كانت 80 مليون.” وفي هذا يقول الكثير، لأن السوق الذي تباع فيه عقارات بهذا الحجم في يوم واحد لا يقوم على إعلان أو لافتة، بل على تاريخ ممتد من الوفاء بالكلمة.
دبي من جهتها لم تعد تحتاج إلى كثير من الشرح للمستثمر الخارجي. الإمارات أثبتت موقعها تدريجياً كسوق مستقر يعتمد على بنية اقتصادية راسخة لا على المضاربة المصرفية، وهو ما يؤكده العبار حين يقول “الإمارات أثبتت موقعها يوم ورا يوم، ونحن ما نشوف أي تغير أو نزول في الأسعار”. هذا الاستقرار لا ينفصل عن طريقة إدارة الشركات العقارية الكبرى لسمعتها.
أما عن التسويق المبالغ فيه الذي بات ظاهرة في بعض أسواق العقار، فالعبار صريح في موقفه منه. “اللوحة الإعلانية الكبيرة معناها إني أنا متورط ومب قادر أبيع مشروعي.” يصف ما يراه من استعراض في هذا القطاع بعبارة لا لبس فيها، “ساير موناكو في يخت، هذا التسويق المبالغ فيه أنا أعتبره غش للناس.” ليس هذا موقف رجل يجهل التسويق، بل هو موقف من يعرف أن التسويق الحقيقي يبنيه المنتج لا الإعلان، “نحن علينا ببضاعتنا وسمعتنا والمنتج الزين، وعنوانك هو اسمك وسمعتك.”
في نهاية المطاف ما يقوله العبار ليس جديداً في جوهره، الأجداد علّموا ذلك منذ زمن بعيد. “شيوخنا وأهلنا معلمينا إن الرجال بأفعالها، قد أفعالها، سمعتك وقدرتك على التنفيذ والصيانة هي الأهم.” لكن قيمة الكلام تكمن في من يقوله ومتى يقوله، ورجل يقوده أضخم مطور عقاري في المنطقة ويختار هذا الكلام بدل الضجيج الإعلاني، يعطي الكلام ثقلاً مختلفاً تماماً.




