عندما تتساقط القنابل الخارقة للتحصينات على عواصم القرار، فإن أول من ينزف ليس الجيوش، بل الأسواق. عملية “الغضب الملحمي” التي دكت طهران فجر الثامن والعشرين من فبراير لم تكن مجرد ضربة عسكرية لقطع رأس النظام، بل كانت بمثابة صدمة كهربائية مميتة لشبكة الاقتصاد العالمي، ورصاصة رحمة على الاقتصاد الإيراني المتهالك أصلاً.
ولأن القصف وقع في عطلة نهاية الأسبوع، فإن الأسواق العالمية تحبس أنفاسها بانتظار جرس الافتتاح الرسمي يوم الإثنين، لكن المؤشرات الأولية والتداولات خارج المقصورة (OTC) بدأت بالفعل في رسم ملامح “الاثنين الأسود” بلغة أرقام لا تقبل التأويل.
الأرقام في أسواق الطاقة لا تكذب، وهي تعكس رعباً حقيقياً من اتساع رقعة الصراع. قبل الضربة، وتحديداً عند إغلاق تداولات يوم الجمعة، كان سعر التسوية لخام “برنت” القياسي يقف عند 72.48 دولاراً للبرميل، بينما استقر الخام الأمريكي عند 67.02 دولاراً. لكن بمجرد تأكيد الأنباء عن دك مجمع المرشد الأعلى، شهدت التداولات غير الرسمية يوم الأحد قفزة فورية بنسبة تقارب 10 بالمئة، ليلامس برنت حاجز 80 دولاراً للبرميل في لحظات معدودة.
هذه القفزة المبدئية دفعت كبريات البنوك الاستثمارية لتحديث نماذجها الحسابية فوراً؛ فبنك “باركليز” رفع توقعه الأولي محذراً من أن برنت قد يخترق حاجز 100 دولار للبرميل، وهو ما يمثل قفزة حسابية بنحو 37 بالمئة مقارنة بإغلاق ما قبل الحرب. من جهتها، تتوقع شركة “ريستاد إنرجي” افتتاحاً عند 92 دولاراً. وفي خضم هذا الذعر، أعاد المحللون تداول سيناريو الرعب الأقصى الذي رسمه بنك “جولدمان ساكس” إبان حرب يونيو 2025، والذي يحذر من وصول الأسعار إلى 110 دولارات في حال أقدمت طهران على إغلاق مضيق هرمز، في حين يذهب بنك “ING” إلى إمكانية ملامسة 140 دولاراً في أسوأ سيناريوهات الإغلاق المستدام.

الخطر الحقيقي هنا لا يقتصر على غياب الإنتاج الإيراني الذي يمثل نحو 4.5 بالمئة من الإمدادات العالمية إذا شملنا المكثفات والسوائل النفطية، بل في التداعيات التضخمية التراكمية؛ فمؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” تقدر أن استقرار النفط عند 100 دولار للبرميل سيضيف ما بين 0.6 إلى 0.7 نقطة مئوية للتضخم العالمي، مما يضاعف فوراً من خطر دخول الاقتصاد الدولي في ركود عميق.
وإذا كانت الأسواق العالمية ترتجف، فإن الداخل الإيراني يعيش انهياراً حراً غير مسبوق. في شارع الفردوسي وسط طهران، المركز التاريخي لتجارة العملة، اختفت شاشات العرض الرسمية وسط حالة من الذعر المطلق. قبل انطلاق الغارات، كان آخر رقم موثق للعملة المحلية يقف بالفعل عند حافة الهاوية مسجلاً مليوناً ونصف المليون ريال للدولار الواحد، لكن التداولات السرية بعد القصف سجلت انهيارات أعمق تعكس فقدان الثقة المطلق في بقاء الدولة. هذا الانهيار تُرجم مباشرة إلى طوابير هلع لشراء الذهب، حيث يبحث المواطن الإيراني عن أي وعاء مادي يحفظ مدخراته التي تتبخر قيمتها الشرائية. الصورة انسحبت أيضاً على بورصة طهران، حيث أدى الذعر المالي إلى تعليق التداولات رسمياً لمنع تسييل المحافظ الاستثمارية وانهيار المؤشر العام إلى الصفر.
في خضم هذا الرعب الكلي، تحركت رؤوس الأموال العالمية بغريزة القطيع نحو الملاذات الآمنة الكلاسيكية. الطلب على الذهب قفز بشكل حاد ليتجاوز مستويات تاريخية غير مسبوقة فوق 5300 دولار للأونصة، تحوطاً من المجهول وانقطاع سلاسل الإمداد. في المقابل، قدمت العملات المشفرة درساً في سلوك الأصول أوقات الحروب؛ فعملة “البتكوين” شهدت هبوطاً حاداً تجاوز 4 بالمئة كرد فعل أولي على انطلاق الضربات ليلة السبت باعتبارها أصلاً عالي المخاطر، قبل أن تعاود تقليص بعض خسائرها خلال تداولات الأحد المتذبذبة.
خلاصة هذا الرادار الرقمي تؤكد حقيقة قاسية: الاقتصاد لا يعرف “الصبر الاستراتيجي”. الخسائر التي تكبدتها إيران في بنيتها التحتية وقيمة عملتها خلال 48 ساعة تعادل استنزافاً لعقود من العقوبات، بينما سعّرت الأسواق العالمية بالفعل غياب القيادة الإيرانية الحالية، بانتظار إغلاق ملف هذه الحرب قبل أن تحترق خزائن العالم معها.




