يخوض الذهب في الربع الثاني من عام 2026 واحدة من أكثر مراحل تاريخه تعقيداً؛ فبينما تقرع طبول الحرب وتتصاعد المخاطر الجيوسياسية في مراكز الطاقة العالمية، وجد المستثمرون أنفسهم أمام مفارقة اقتصادية محيرة؛ حيث لم ينجح المعدن النفيس في الحفاظ على مكاسبه المليونية، بل تراجع تحت وطأة “مزيج تضخمي” ناتج عن قفزة أسعار الوقود وقوة السندات الأمريكية التي باتت تنافس الذهب بشراسة على سيولة الملاذات الآمنة.
هذا التناقض بين تصاعد النزاعات وتراجع أسعار الذهب، أثار انقساماً في أروقة الصناديق الاستثمارية الكبرى؛ فهل نحن أمام تصحيح فني عابر لمسار صاعد، أم أن “آلية التحوط” التقليدية قد تغيرت في ظل النظام المالي الجديد؟
للبحث في هذه التساؤلات، أجرت منصة “لنا” مقابلة خاصة مع أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، لاستشراف آفاق المعدن النفيس وفهم تحركاته الاستراتيجية في ظل العواصف الحالية؛ حيث استهل حديثه بالتحليل التالي:
يرى هانسن أن موجة البيع الأخيرة التي شهدها الذهب تبدو في جوهرها تصحيحاً عنيفاً ضمن اتجاه صعودي طويل الأجل لا يزال قائماً، وليست انكساراً تاماً لمكانته كملاذ آمن. ويعزو الضغوط بشكل أساسي إلى ارتفاع عوائد السندات وسط تصاعد المخاوف التضخمية وقوة الدولار، وعمليات جني الأرباح التي تلت رالياً صعودياً استثنائياً، مؤكداً أن الطلب الاستراتيجي ومشتريات البنوك المركزية لا يزالان يمثلان حائط صد داعم للأسعار.

وحول الأسباب التي أدت لتراجع قيمة الذهب بشكل ملحوظ رغم اندلاع الحرب، أوضح هانسن أن الصراع الحالي لم ينتج “المزيج الاقتصادي الكلي” التقليدي المحفز للشراء؛ بل أدى لرفع أسعار النفط، مما أجج التضخم وأرجأ توقعات خفض الفائدة، دافعاً العوائد نحو الارتفاع. وفي هذه البيئة، سارع المستثمرون لبيع الذهب — وهو أصل لا يدر عائداً — لتوفير السيولة وتغطية خسائر قطاعات أخرى.
تحولات الملاذات: النقد والدولار يتصدران المشهد على حساب المعدن الأصفر
وعند سؤاله عما إذا كان هذا الانخفاض يعكس تحول المستثمرين نحو أصول أخرى، أكد هانسن أن المستفيدين الرئيسيين كانوا النقد والدولار والأصول ذات العوائد قصيرة الأجل، معتبراً أن الاستثمار في قطاع الطاقة عمل أحياناً كتحوط جيوسياسي مباشر، قبل أن تبدأ بعض التدفقات بالعودة مؤخراً للذهب مع تراجع قوة الدولار.
وفيما يخص توجهات الأسعار في الأشهر المقبلة، يتوقع هانسن مرحلة تذبذب عرضي يليه تعافٍ، مشيراً إلى أن الذهب سيبقى حساساً لتحركات العوائد، لكنه يرى آفاقاً لبناء موجة ارتداد قد تستهدف مستوى 5,500 دولار خلال النصف الثاني من العام، مدعومة بالمخاوف بشأن الديون وتراجع الهيمنة الدولارية.
وبسؤاله عما إذا كانت صفة “الملاذ الآمن” قد تغيرت بعد التراجعات الأخيرة، نفى هانسن حدوث تغيير جوهري، موضحاً أن ما تغير هو “آلية الانتقال” فقط؛ ففي صدمات العرض التضخمية، قد يضعف أداء الذهب مؤقتاً بسبب اتجاه المستثمرين لتقليل المخاطر (De-risking)، لكن دوره يظل ثابتاً في ظل انخفاض مخصصات المحافظ الاستراتيجية فيه.
أما عن كيفية تعامل صناديق الاستثمار الكبرى مع هذا التراجع، فقد وصفه هانسن بأنه حدث متعلق بـ “إدارة المخاطر” وليس تملصاً هيكلياً؛ فالحيازات في صناديق الذهب انخفضت بمقدار متواضع (94 طناً) خلال تصحيح مارس مقارنة بالمشتريات الضخمة في 2025، مما يعكس تقليصاً تكتيكياً للمراكز.

وانتقالاً إلى دور أسعار الفائدة وسياسات البنوك المركزية، شدد هانسن على دورها المحوري؛ حيث تزيد الفوائد المرتفعة من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، وقد ساهمت تصريحات “الفيدرالي” الأخيرة بشأن مخاطر التضخم في تقليص توقعات خفض الفائدة، ما ضغط مباشرة على الأسعار.
وحول ما إذا كنا أمام تصحيح مؤقت أم بداية دورة هبوطية طويلة، مال هانسن إلى فرضية التصحيح السعري، مذكراً بأن الذهب لا يزال مرتفعاً بنسبة 10% منذ بداية العام، وأن الدعم الهيكلي النابع من المخاطر الجيوسياسية ومشتريات البنوك المركزية لا يزال قائماً، خاصة مع مخاطر ضعف الدولار المرتبطة بالتحول السياسي الأمريكي.
وفي ختام حديثه، قدم هانسن نصيحة للمستثمرين حول التوقيت المناسب للشراء، حيث رأى أن الشراء المتدرج هو الأنسب للمستثمرين طويل الأجل، بينما نصح المتداولين التكتيكيين بالانتظار حتى التأكد من وصول الدولار والعوائد إلى ذروتهما، مشيراً إلى أن “المتوسط المتحرك لـ 200 يوم” عند 4,160 دولار يظل مستوى دعم رئيسي يجب مراقبته.




