يشهد السوق العقاري في دبي لحظة اختبار جديدة مع تصاعد التوترات الإقليمية وحالة عدم اليقين التي تخيّم على المنطقة، إلا أن المؤشرات الأولية لا تعكس حتى الآن تحولاً بنيوياً في مسار السوق بقدر ما تعكس تباطؤاً انتقائياً في قرارات بعض المستثمرين. في الوقت الذي تشهد فيه عواصم عدة في الشرق الأوسط ضغوطاً على الاستثمارات طويلة الأجل، تواصل دبي تسجيل صفقات لافتة في الشرائح الفاخرة واحتفاظاً بمستويات طلب قوية في القطاعات السكنية الرئيسة، مستفيدة من بنية تحتية ناضجة، وإطار تنظيمي متطور، وصورة متراكمة كملاذ آمن لرأس المال في أوقات الأزمات.
بينما تراقب رؤوس الأموال التطورات العسكرية والسياسية في الإقليم بحذر، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين: هل نحن أمام تصحيح ظرفي تحت ضغط الحرب، أم أمام استمرار لمسار صعودي طويل الأمد تدعمه أساسيات قوية في سوق دبي مقارنة بالأسواق المحيطة؟
قال المطور العقاري والخبير الاستراتيجي وسام بريدي في حديثه مع منصة “لنا” بمثابة مداخلة مطوّلة لطمأنة المستثمرين أكثر مما هي توصيف لأزمة عقارية في دبي. فبرأيه، ما يعيشه الإقليم اليوم هو أولاً أزمة حرب وجيوسياسة، وليس أزمة عقار أو أزمة ثقة في سوق دبي والإمارات. لأن المؤشرات الفعلية على الطلب الأساسي لم تتعرض لصدمة بنيوية حتى اللحظة.
فيما أكد “بريدي” أن ما يجري اليوم هو ضغط إقليمي واسع، لكن سوق العقار في الإمارات لم يدخل في حالة «أزمة» بالمفهوم البنيوي. من وجهة نظره، رأس المال لا يخاف من العقار بحد ذاته، لكن العقار يبقى منتجاً كسائر المنتجات يتأثر بالمحيط العام، من حرب أو توتر أو أخبار سلبية، دون أن يعني ذلك هشاشة في أساس السوق. ويكرر أن السؤال ليس: «هل الريل إستيت ضعيف؟» بل: «هل الأساس الذي يقوم عليه السوق ما زال متيناً؟» وإجابته هنا حاسمة: البنية التحتية في الإمارات، والإطار التشريعي والتنظيمي المحيط بسوق العقار، والتجربة التراكمية خلال العقود الماضية، كلها عوامل تجعل السوق اليوم أكثر رسوخاً من أي وقت مضى.
بنية تحتية ناضجة
وفي هذا الخصوص قال بريدي: قوة سوق العقار في الإمارات بمسار زمني طويل يمتد على ما يقارب ثلاثة عقود، مروراً بأزمة 2008 وما تلاها. في تلك الفترة، كما يذكّر، دخلت أموال كبيرة إلى السوق، ثم نما «المخزون» العقاري وارتفعت القيم مرات مضاعفة مع تعافي الدورة. يستخلص من ذلك أن الإمارات لم تعد سوقاً ناشئة في بداياتها أو عالية الاعتماد على المضاربات، بل باتت سوقاً ناضجة ذات بنية تحتية مكتملة نسبياً، من طرق ومطارات وخدمات، ومنظومة تشريعية واستثمارية واضحة، ما يجعل العقار فيها «أصلاً فعلياً» أكثر منه ورقة مضاربة.
من هذا المنطلق، يرى أن ما نعيشه اليوم ليس «أزمة عقار» بل «أزمة سببها الحرب». وبمجرّد أن تنتهي هذه الحرب – سواء بعد أسابيع أو أشهر – سيعود السوق إلى مساره الطبيعي، بل «أقوى» مما كان، لأن الأزمة ستكون قد اختبرت قدرة الإمارات على الصمود وأثبتت مجدداً أنها مضادة للصدمات.
“هناك من يفهمون قواعد اللعبة جيداً”
تحدثت منصة “لنا” المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Karma Developers نافنيت ماندهاني٬ أن بيانات شركته عبر الاستفسارات وعمليات الشراء والإلغاءات تعطي انطباعاً واضحاً بالاستقرار، قائلاً إنهم لم يلاحظوا «أي ارتفاع ذي دلالة في حالات الإلغاء»، بل إن «المشترين الجادين والمستثمرين طويلَي الأمد ما زالوا ملتزمين». ويرى أن ما يتباطأ في مثل هذه الظروف هو سرعة اتخاذ القرار لا قناعة المستثمر أو إيمانه بالسوق. ويضيف أن المستثمرين المخضرمين، ممن تابعوا دورات السوق في دبي عبر السنوات، «يفهمون قواعد اللعبة جيداً»، إذ أثبتت الإمارة مراراً قدرتها على التحرك بسرعة وحسم، سواء عبر سياسات داعمة، أو إجراءات لضمان السيولة، أو وضوح تنظيمي يعيد الثقة في فترات زمنية وجيزة، وهو ما خلق مستوى من الثقة «يصعب تكراره في كثير من الأسواق العالمية».
فيما أشار ماندهاني إلى أن الفترات السابقة من عدم اليقين كثيراً ما أدت تاريخياً إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال نحو دبي، ولا يرى مؤشرات قوية على أن هذه المرة ستكون مختلفة جوهرياً، بل يعتبر أن مكانة دبي كسوق «ملاذ آمن» تعززت بمرور الوقت. ويشرح أن وجود دعم سيادي قوي، وإدارة مالية رشيدة، واستثماراً مستمراً في البنية التحتية، يوفر طبقات متعددة من المناعة، وهذه – كما يقول – «ليست هوامش حماية قصيرة الأجل، بل مزايا هيكلية». ويشدّد على أن الفارق الحاسم بالنسبة للمستثمر هو التمييز بين «الضجيج قصير المدى» و«الأساسيات طويلة المدى»، لافتاً إلى أن دبي ما زالت تستفيد من نمو سكاني، وتدفّق أعمال، ورؤية قيادية تضع التنويع الاقتصادي والتوسع الحضري في قلب أولوياتها.
العقار منتج ملموس… وليس فقاعة
قال بريدي أن العقار «ليس شيئاً وهمياً»، بل منتج ملموس له أساس وبنية تحتية وخدمة وبيئة اجتماعية واقتصادية تحيط به. لذلك، يتأثر بالأزمات مثل أي منتج آخر، لكنه لا يختفي ولا يتحول إلى صفر. يشبّه الأمر بمن يمتلك ذهباً ويحتاج إلى سيولة: في أزمات السيولة، قد يضطر لبيع الذهب أقل من قيمته لأن «حاجته للكاش» تضغط عليه. لكن في الوضع الحالي، لا يرى أزمة سيولة عالمية أو محلية من هذا النوع، بل أزمة سياسية – أمنية يمكن أن تنتهي في أي لحظة، بينما يظل المستثمرون الكبار محتفظين بقوتهم المالية.
من هنا، يعتبر أن خطر «انهيار أسعار» شامل ليس واقعياً، لأن أساس الطلب على دبي والإمارات لم يتغيّر: مدينة عالمية، بيئة آمنة، تشريعات واضحة، وبنية تحتية ناضجة. من يستثمر على المدى الطويل، حسب تعبيره، هو الشخص الذي سيستفيد «على المدى لَبْنى»؛ أي من الدورة الكاملة للسوق، لا من موجة مضاربة قصيرة.




