تخيل أنك تقف أمام منصة إطلاق ضخمة، لكن هذه المرة الصاروخ لا يستعد لحمل أقمار صناعية إلى مدار الأرض، بل يستعد لإطلاق أكبر حدث مالي في تاريخ الأسواق العالمية. لسنوات طويلة، راقب المستثمرون العاديون شركة “سبيس إكس” (SpaceX) وهي تحقق المستحيل؛ تهبط بالصواريخ ليعاد استخدامها، وترسل رواد الفضاء، وتغلف كوكب الأرض بشبكة إنترنت فضائية، وكانوا يطرحون سؤالاً واحداً: كيف يمكننا الاستثمار في هذا الكيان؟
حتى وقت قريب، كانت الأبواب مغلقة بإحكام. كانت سبيس إكس نادياً حصرياً لكبار أثرياء وادي السيليكون، وصناديق رأس المال المغامر، وموظفي الشركة أنفسهم. لكن مع تواتر الأنباء في أبريل 2026 عن تقديم إيلون ماسك أوراق الطرح العام الأولي بشكل سري إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، تغيرت قواعد اللعبة. وقد أفادت وكالة بلومبرغ أولاً بالخبر في الأول من أبريل 2026، ثم أكدته كل من CNBC ورويترز وصحيفة وول ستريت جورنال. التوقعات تشير إلى إدراج الشركة في بورصة “ناسداك” بحلول شهر يونيو من العام ذاته، وهو التوقيت الذي اقترحه ماسك شخصياً ليتزامن مع عيد ميلاده الخامس والخمسين في الثامن والعشرين من يونيو 2026، وحينها، نعم، ستتمكن أخيراً من فتح تطبيق التداول الخاص بك وشراء سهم في إمبراطورية الفضاء. لكن الرحلة نحو تلك اللحظة تحمل تفاصيل أعمق بكثير من مجرد النقر على زر التداول.
ستارلينك… المحرك الهادئ الذي يقود التقييم
لفهم سبب سيلان لعاب المؤسسات المالية على شركة تصنع صواريخ تخترق الغلاف الجوي، عليك أن تنظر أولاً إلى شاشة هاتفك. خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” (Starlink) هي المحرك الهادئ الذي يقف خلف هذا التقييم المالي التاريخي. فبينما تخطف الصواريخ العملاقة عناوين الأخبار، تضخ ستارلينك السيولة النقدية بشكل هائل. وفق ما كشفه ماسك شخصياً في يونيو 2025، فإن إجمالي عائدات سبيس إكس للعام 2025 يبلغ نحو 15.5 مليار دولار، حقق منها ربح تشغيلي يبلغ 8 مليارات دولار، وهي نسبة ربحية استثنائية تصل إلى قرابة 50% من الإيرادات.
تستحوذ ستارلينك على ما بين 50% و80% من إجمالي هذه الإيرادات، وفق مصادر مطلعة. هذه الخدمة التي نشأت من الصفر باتت اليوم تخدم أكثر من 9 ملايين مشترك نشط في 155 دولة وإقليماً حول العالم بنهاية عام 2025، بعد أن كانت تخدم نحو 4 ملايين مشترك فقط في سبتمبر 2024. بل إن بعض المحللين يتوقعون أن يصل عدد مشتركيها إلى 13-14 مليون بنهاية عام 2026. هذه الخدمة نقلت استكشاف الفضاء من كونه حلماً علمياً يحرق الأموال، إلى عمل تجاري استهلاكي مربح ومستدام، وهي شبكة الأمان التي تجعل كبار المستثمرين يشعرون بالاطمئنان الحقيقي.
صاروخان يطلقان كل يومين
لا تقتصر قوة سبيس إكس على إيرادات ستارلينك وحدها. ففي عام 2025، سجلت الشركة 165 رحلة إطلاق مدارية في سنة واحدة، متجاوزةً رقمها القياسي السابق البالغ 134 إطلاقاً في عام 2024. هذا يعني أن الشركة كانت تطلق صاروخاً كل يومين تقريباً طوال العام، وهو معدل يجعل منافسيها يبدون وكأنهم يمشون ببطء. وفي منتصف عام 2025، حققت عائلة صواريخ فالكون إنجازها التاريخي الخامس مئة، جامعةً بين فالكون 1 وفالكون هيفي وفالكون 9. كذلك أجرت الشركة خمس رحلات اختبارية لصاروخ ستارشيب خلال عام 2025، حيث نجح آخر اثنتان منها بالكامل.
الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة
لكن العائدات السنوية، مهما بلغت، لا تبرر وحدها التقييم الخيالي الذي تستهدفه سبيس إكس والذي يتراوح بين 1.75 و2 تريليون دولار. هنا يظهر التطور المفاجئ الذي لم يتوقعه الكثيرون؛ الذكاء الاصطناعي. في الثاني من فبراير 2026، أعلن إيلون ماسك رسمياً استحواذ سبيس إكس على شركته الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي “إكس إيه آي” (xAI)، في ما وصفه ماسك بأنه إنشاء “أكثر منظومة تكامل رأسي ابتكاراً على وجه الأرض وخارجها”. وقد جرت عملية الاندماج عبر صفقة تبادل أسهم قيّمت سبيس إكس بنحو تريليون دولار وخصمت xAI بـ250 مليار دولار، لتبلغ قيمة الكيان الموحد 1.25 تريليون دولار.
ولتوضيح أبعاد الصفقة، فقد تجاوزت هذه الصفقة في حجمها أكبر عملية اندماج في تاريخ الأعمال، متجاوزةً صفقة استحواذ فودافون على مانسمان عام 2000 البالغة 203 مليارات دولار والتي حملت الرقم القياسي لأكثر من 25 عاماً. حصل مساهمو xAI على 0.1433 سهم من أسهم سبيس إكس مقابل كل سهم يحوزونه في xAI. فجأة، لم يعد العرض الترويجي للمستثمرين يقتصر على فكرة غزو الفضاء، بل تطور ليصبح بناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في المدار لتشغيل أحدث النماذج التقنية – وهي الرؤية التي يقودها ماسك شخصياً.
21 بنكاً في طابور “مشروع أبيكس”
إنها قصة طموحة لدرجة أن سبيس إكس لجأت إلى أكبر تحالف اكتتابي رأته وول ستريت منذ سنوات. فوفقاً لرويترز، يعمل على الطرح ما لا يقل عن 21 بنكاً في إطار ما بات يُعرف داخلياً بـ”مشروع أبيكس” (Project Apex). يتصدر قائمة البنوك المشرفة على الطرح مورغان ستانلي، وغولدمان ساكس، وجي بي مورغان تشيس، وبنك أوف أمريكا، وسيتي غروب، إلى جانب 16 بنكاً آخر في أدوار أقل محورية. ونصف هذه البنوك تقريباً لم يُكشف عن أسمائها حتى الآن.
الرقم القياسي في مرمى الهدف
لندرك حجم هذه الخطوة، علينا العودة إلى عام 2019 عندما طُرحت شركة أرامكو السعودية للاكتتاب العام وجمعت ما يزيد عن 29 مليار دولار، وهو رقم قياسي بدا من المستحيل كسره. اليوم، تسعى سبيس إكس لجمع مبلغ يتراوح بين 40 إلى 75 مليار دولار في طرحها المرتقب. ومن المثير للاهتمام أن السعودية نفسها، صاحبة الرقم القياسي الحالي، قد تنضم إلى القائمة من الجانب الآخر؛ إذ تجري سبيس إكس محادثات مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي للحصول على استثمار رسوّخ بقيمة نحو 5 مليارات دولار، مما يحفظ حصة الصندوق الحالية في الشركة التي تقل قليلاً عن 1%.
هذا الجبل من الأموال النقدية ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو ضرورة حتمية لتمويل رحلات المريخ المستقبلية، وتوسيع هيمنة شبكة ستارلينك، وتغذية الشهية المالية المفتوحة لشركة xAI. فبحسب بلومبرغ، سجّلت xAI خسارة صافية بلغت 1.46 مليار دولار في الربع الثالث من 2025 وحده، ومن المتوقع أن تبلغ خسائرها السنوية 13 مليار دولار. هذا هو وقود المحرك الذي يحرق قرابة مليار دولار شهرياً في سبيل تطوير تقنياتها.
ميزة غير مسبوقة للمستثمر الفرد
ولكن قبل أن تندفع لتصفية مدخراتك أملاً في تحقيق أرباح أسطورية مشابهة لما حدث مع بدايات سهم تسلا، يجب أن تنظر إلى الصورة المالية بواقعية مجردة. غير أن هناك مستجداً لافتاً يميز هذا الطرح عن جميع الطروحات الكبرى السابقة: فوفقاً لتقارير رويترز، يدرس ماسك تخصيص ما يصل إلى 30% من أسهم الطرح للمستثمرين الأفراد، وهو رقم يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف النسبة المعتادة في الطروحات الكبرى التي لا تتجاوز 5-10%. ووفق التصميم المُشار إليه، ستتولى إي-تريد التابعة لمورغان ستانلي خدمة المستثمرين الأفراد أصحاب الحجم الأصغر، فيما سيركز بنك أوف أمريكا على العملاء الأثرياء داخل الولايات المتحدة. هذا التوجه يعكس رغبة ماسك في بناء قاعدة مساهمين مخلصة، مستلهماً من تجربة تسلا حيث يمتلك المستثمرون الأفراد نحو 30% من الشركة.
هذا التقييم مُسعَّر سلفاً على أساس الكمال المطلق. فعندما تدخل شركة إلى السوق بقيمة تقارب تريليوني دولار، فإن مرحلة النمو الانفجاري التي استفاد منها المستثمرون الأوائل تكون قد سُعِّرت بالفعل داخل قيمة السهم الذي ستشتريه. أنت لا تشتري في الطابق الأرضي، بل تشتري في قمة ناطحة السحاب. علاوة على ذلك، فإن دمج شركة ذكاء اصطناعي تستهلك سيولة ضخمة، وقد أبلغت عن خسارة صافية تجاوزت 7.8 مليار دولار في التسعة أشهر الأولى من 2025، مع قطاع تصنيع طيران فضائي محفوف بالمخاطر يخلق مزيجاً معقداً.
لا تزال xAI تسجل خسائر ضخمة رغم المستهدف بتحقيق الربحية في عام 2027. وإذا فقدت فقاعة الذكاء الاصطناعي زخمها في الأسواق، أو واجهت بضعة صواريخ إخفاقات تقنية مكلفة، فإن هذا التقييم الفلكي قد يواجه هبوطاً قاسياً على أرض الواقع.
في الوقت الحالي، يمر الاكتتاب بمرحلة المراجعة السرية، حيث يقوم المنظمون في لجنة الأوراق المالية بفحص الدفاتر المالية للشركة خلف الأبواب المغلقة. يُتيح هذا الإجراء بموجب القوانين الأمريكية لكبار المُصدِرين التفاوض مع هيئة الأوراق المالية عبر عدة جولات من التعليقات قبل نشر نشرة الاكتتاب S-1 علنياً. وتُلزم القواعد الشركةَ بنشر نشرة الاكتتاب العلنية قبل خمسة عشر يوماً على الأقل من بدء الجولة الترويجية مع المستثمرين الكبار.
وقريباً، سيبدأ ماسك وفريقه ما يُعرف بـ”الجولة الترويجية” (Roadshow) لإقناع كبار المستثمرين المؤسسيين وصناديق التقاعد بالأرقام النهائية قبل تحديد سعر السهم رسمياً. حتى ذلك اليوم الموعود، لا يمكن للمستثمر العادي شراء الأسهم مباشرة، رغم أن البعض يحاول الحصول على تعرض غير مباشر عبر صناديق مثل ARK Venture Fund أو صناديق المؤشرات المتداولة التي تركز على اقتصاد الفضاء مثل XOVR، أو الاستثمار في الشركات الموردة لأجزاء الصواريخ.
عندما تُدرج سبيس إكس أخيراً، لن يكون ذلك مجرد اكتتاب عام نتابعه على شاشات البورصة، بل سيكون ظاهرة تسجل اللحظة التي تحول فيها استكشاف الفضاء بالكامل من مهمة تعتمد على ميزانيات الحكومات إلى سلعة استثمارية تتداول في الأسواق. وقد صرّح المدير المالي لسبيس إكس بريت جونسن لموظفي الشركة في ديسمبر 2025 بأن الطرح العام ممكن في 2026، لكنه شدّد على أن التوقيت لا يزال “غير مؤكد بدرجة عالية”.
إذن، نعم، ستستطيع شراء قطعة من المستقبل قريباً جداً، ولأول مرة في تاريخ الطروحات الكبرى، قد يُخصَّص لك نصيب أكبر مما اعتدت عليه. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه على نفسك قبل أن تتخذ القرار: هل أنت مستعد لدفع أعلى ثمن تذكرة في تاريخ أسواق المال للصعود على متن هذه الرحلة؟




