المخرج الحاصل على «الدب الذهبي» في برلين يتحدث في حوار خاص

إلكر تشاتاك: فكرة «رسائل صفراء» خرجت من لحظة شخصية خاص برلين في فيلم «رسائل صفراء» يذهب المخرج التركي – الألماني إلكر تشاتاك إلى منطقة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحياة الخاصة مع السلطة ويتحوّل الزواج من مساحة أمان إلى ساحة اختبار أخلاقي قاسٍ. في هذا الحوار المطوّل، يتحدث تشاتاك، الحاصل على جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان…

فريق التحرير
مخرج يحمل جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي بابتهاج

ملخص المقال

إنتاج AI

يتناول المخرج إلكر تشاتاك في فيلم «رسائل صفراء» حساسية التقاطع بين الحياة الخاصة والسلطة، مستلهمًا من غضب شخصي تجاه «المحو الرمزي» للفنانين. الفيلم يستكشف صراع أخلاقيات المبدأ والمسؤولية عبر علاقة زوجين، مع التركيز على العنف المعنوي الذي يتسلل إلى البيت، وصُوّر في ألمانيا لخلق مسافة نقدية.

النقاط الأساسية

  • الفيلم مستوحى من غضب شخصي تجاه محو الفنانين والأكاديميين.
  • يستكشف الفيلم الصراع بين أخلاق المبدأ وأخلاق المسؤولية تجاه الآخرين.
  • تم تصوير الفيلم في ألمانيا لخلق مسافة نقدية وتأكيد عالمية القضايا المطروحة.

إلكر تشاتاك: فكرة «رسائل صفراء» خرجت من لحظة شخصية

خاص برلين

في فيلم «رسائل صفراء» يذهب المخرج التركي – الألماني إلكر تشاتاك إلى منطقة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحياة الخاصة مع السلطة ويتحوّل الزواج من مساحة أمان إلى ساحة اختبار أخلاقي قاسٍ. في هذا الحوار المطوّل، يتحدث تشاتاك، الحاصل على جائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي، بعمق عن خلفيات الفيلم وهواجسه الفكرية ورؤيته الجمالية وما يسميه «الهشاشة الكبرى» التي قد تصيب أي مجتمع حين تتآكل حرية التعبير.

بذرة الفيلم… غضب شخصي و«محو رمزي»

يقول تشاتاك إن البذرة الأولى للفيلم وُلدت من إحساس شخصي بالارتباك والغضب حين سمع عن مئات الفنانين والأكاديميين الذين تلقّوا «رسائل صفراء» تفيد بإقصائهم أو التحقيق معهم. وما أثار اهتمامه لم يكن الحدث السياسي في حد ذاته، بل الأثر البطيء الذي يخلّفه في الروح، وفكرة أن يُحرَم الإنسان من عمله ومن اعتراف المجتمع به ويُترك في منطقة رمادية بين البراءة والإدانة. ويصف هذا الوضع بأنه شكل من أشكال «المحو الرمزي» الذي قد يكون أشد قسوة من العقوبة المباشرة.

ويؤكد أنه أراد الاقتراب من هذا الإحساس من الداخل، لا عبر خطاب سياسي مباشر، بل عبر بيت وزوجين وطفلة وعلاقة تتشقق تحت ضغط غير مرئي. ويشير إلى أن اختياره للزواج كعدسة سردية لم يكن مصادفة بل قناعة فكرية، لأن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُختبر في البيانات، بل في القرارات اليومية الصغيرة: هل أوقّع أم لا؟ هل أعتذر أم أصرّ؟ هل أحذف منشورًا قد يعرّض عائلتي للخطر؟

Advertisement

أخلاق المبدأ في مواجهة أخلاق المسؤولية

يشرح تشاتاك أن العلاقة بين دريا وعزيز تمثل صراعًا بين نوعين من الأخلاق: «أخلاق المبدأ المطلق» و«أخلاق المسؤولية تجاه الآخرين». ويرى أن هذا الصراع لا يُختزل في ثنائية الأبيض والأسود، بل يتحرك في منطقة شديدة التعقيد، حيث يمكن أن يبدو التمسك بالمبدأ بطولة في نظر، وأنانية في نظر آخر. ولهذا، لا يدين الفيلم أياً من الشخصيتين، بل يضعهما في مختبر أخلاقي مفتوح أمام المتفرج كي يختبر هو بنفسه ما كان سيفعله في موقف مشابه.

الكتابة… تاريخ حيّ وتعاون شخصي

يتوقف تشاتاك عند مرحلة كتابة السيناريو موضحًا أنه بدأ المسودة الأولى وحده، لكنه شعر بثقل الموضوع وبأنه يتعامل مع تاريخ لا يزال حيًا ومفتوحًا. ويشير إلى أن التعاون مع آيدا مريم تشاتاك وأنيس كوستيبن منح النص عمقًا إنسانيًا أكبر، لأن النقاشات بينهم لم تكن نظرية فقط بل شخصية جدًا. ويكشف أن فكرة «الأداء الاجتماعي» شغلتهم كثيرًا؛ أي كيف يُطلب من الفرد أن يعيد تشكيل نفسه كي ينجو، وكيف يتحول الصمت إلى فضيلة والتكيّف إلى مهارة والانتهازية أحيانًا إلى شرط للبقاء، معتبرًا أن هذا التناقض بين المثاليات والواقعية القاسية هو جوهر الفيلم.

لماذا صُوِّر الفيلم في ألمانيا؟

يقرّ تشاتاك بأن قراره تصوير الفيلم في ألمانيا بدلًا من تركيا كان لحظة مفصلية، رغم شعوره في البداية بتردّد أخلاقي لكونه يعيش في ألمانيا ولم يختبر القمع مباشرة كما اختبره آخرون. ويتساءل: «هل أملك الحق في سرد هذه الحكاية؟» قبل أن يوضح أن اقتراح «نفي الفيلم» إلى ألمانيا لم يكن حلًا إنتاجيًا فقط، بل موقفًا جماليًا وسياسيًا في آن واحد.

Advertisement

برأيه، يخلق هذا الاختيار مسافة نقدية ويؤكد أن ما يحدث ليس حكرًا على جغرافيا معينة، وأن تحويل برلين إلى أنقرة وهامبورغ إلى إسطنبول لم يكن خدعة بصرية، بل دعوة للمتفرج إلى المشاركة في لعبة واعية؛ يقبل فيها القاعدة أولًا ثم يكتشف أن الحكاية يمكن أن تقع في أي مدينة إذا تراجعت الضمانات الديمقراطية.

الإخراج… عنف معنوي يزحف إلى البيت

في ما يخص الرؤية الإخراجية، يقول تشاتاك إن أهم ما شغله هو الإيقاع الداخلي للشخصيات، لذلك أراد للكاميرا أن تلتقط التغيرات الدقيقة: ارتعاشة صوت، نظرة مترددة، صمت أطول من المعتاد. ويشدد على أن العنف في «رسائل صفراء» ليس جسديًا بل معنوي، يتجلى في الإقصاء والانتظار والشعور بأنك مراقَب أو مُدان دون حكم واضح، وهو عنف يتسلل إلى البيت ببطء فيحوّل الحوار بين الزوجين إلى مساحة توتر دائم، حيث يصبح كل قرار مشتركًا لكنه في الوقت نفسه مفخخًا.

ويتوقف عند شخصية الابنة موضحًا أنها ليست مجرد عنصر درامي ثانوي، بل مرآة لجيل يجد نفسه عالقًا بين مثالية الآباء وبراغماتيتهم. ويضيف أن الطفل أو المراهق في مثل هذه الظروف يتعلم بسرعة أن العالم ليس عادلًا وأن القيم قد تكون مكلفة، وأن وجود الابنة في السرد يمنح الفيلم بعدًا إضافيًا، لأن السؤال لم يعد: «ماذا سأفعل أنا؟» بل «ماذا أريد أن أعلّم ابنتي عن الكرامة والنجاة؟».

بين «غرفة المعلمين» و«رسائل صفراء»

لا ينفي تشاتاك أن نجاح فيلمه السابق «غرفة المعلمين» وضع عليه ضغطًا إضافيًا، لكنه حاول ألا يسمح للتوقعات الجماهيرية والنقدية بأن تقوده، بل أن يبقى وفيًا للأسئلة التي دفعته إلى مشروع «رسائل صفراء». ويؤكد أن ما يهمه في النهاية ليس إثارة الجدل السياسي المباشر، بقدر ما يهمه أن يخرج المشاهد وهو يشعر بعدم الراحة، بتلك القلقة الخفيفة التي تجعله يعيد التفكير في مسلّماته وصورته عن نفسه وعن مجتمعه.

Advertisement