مع انطلاقة الموسم الرمضاني، دخل مسلسل «اليتيم» السباق الدرامي مقدّمًا رؤية مختلفة لأعمال البيئة الشامية، مبتعدًا عن الصورة النمطية التي لطالما ارتبطت بهذا النوع من المسلسلات. ويطرح العمل معالجة أكثر جرأة وقسوة في سياق إنساني واجتماعي، تدور أحداثه خلال حقبة مفترضة من الاحتلال العثماني.
شبكة صراعات معقدة حول شخصية «اليتيم»
لا يكتفي العمل بإعادة إنتاج أجواء الحارات الشامية المعتادة، بل يذهب أبعد من ذلك عبر بناء شبكة معقدة من الصراعات العائلية والسلطوية، تتقاطع جميعها حول شخصية محورية هي «اليتيم». وتجد هذه الشخصية نفسها في قلب نزاعات تتشابك فيها المصالح والنفوذ والمال والعلاقات الاجتماعية المتوترة، ليُفتح الباب أمام تساؤلات حول السلطة والانتماء والهوية، والثمن الذي قد يدفعه الإنسان في سبيل البقاء.
أيمن رضا… زعامة مختلفة عن الصورة التقليدية
الفنان أيمن رضا أوضح أن الشخصية التي يؤديها تختلف جذريًا عن نموذج «الزعيم» التقليدي في مسلسلات البيئة الشامية، حيث لا تقوم الزعامة هنا على الهيبة الشكلية والحضور الصوتي فقط. بل تتأسس الشخصية على صرامة شديدة وقسوة مدروسة تشكّل جزءًا أساسيًا من البناء النفسي والدرامي، في محاولة لتفكيك الصورة المثالية للزعيم وتقديم نموذج أكثر تعقيدًا وإنسانية، حتى وإن بدا قاسيًا في قراراته.
شكران مرتجى… الملامح بوابة لفهم الشخصية
الفنانة شكران مرتجى كشفت أن التحضير للشخصيات لم يقتصر على الأداء التمثيلي، بل شمل سلسلة من اختبارات الشكل والملامح قبل الاستقرار على اللوك النهائي، وذلك بالتعاون مع المخرج تامر إسحاق. وأكدت أن المظهر الخارجي لم يكن عنصرًا تجميليًا فحسب، بل مدخلًا أساسيًا لفهم أبعاد الشخصية وخلفياتها النفسية والاجتماعية، مشيرة إلى أن التفاصيل البصرية في هذا العمل تلعب دورًا محوريًا في نقل الحالة الدرامية.
جيني إسبر… كسر الصورة النمطية عن الممثلة
أما الفنانة جيني إسبر فاعتبرت مشاركتها في المسلسل تحديًا جديدًا، خصوصًا أن الشخصية التي تقدمها تنتمي إلى مرحلة عمرية مختلفة عما اعتاده الجمهور منها. وشددت على رفضها حصر الممثلة في نمط محدد، مؤكدة أن المعيار الحقيقي هو القدرة على الإقناع وتقديم أدوار متنوعة بصدق فني، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
صراعات عائلية وقسوة التقاليد
في سياق الصراعات العائلية، تؤدي الفنانة مديحة كنيفاتي شخصية «حياة» ضمن عائلة «أبو فخري»، حيث تتصاعد الأحداث حول نزاع محتدم على المال والنفوذ. وتجد الشخصية نفسها تحت ضغط الزواج القسري، في خط درامي يعكس قسوة بعض التقاليد الاجتماعية السائدة آنذاك، ويضيء على معاناة المرأة في مواجهة قرارات تُفرض عليها باسم العائلة والمصلحة.
لينا دياب… مأزق أخلاقي بين الحب والواجب
من جهتها، تجسد لينا دياب شخصية تعيش مأزقًا أخلاقيًا معقدًا، إذ تنقسم بين مشاعرها تجاه خطيبها وملاحقة زوج شقيقتها لها، في طرح درامي جريء داخل إطار البيئة الشامية. ويبتعد هذا الخط عن الطرح السطحي، ليغوص في صراعات النفس والرغبة والواجب وما تخلّفه من توترات داخلية وانعكاسات اجتماعية.
شخصيات نسائية ورجالية تعيد تشكيل الحدث
تطل الفنانة روبين عيسى بشخصية «سعاد»، ضمن خط درامي يتقاطع مع عدد من الشخصيات المؤثرة في مسار الأحداث، بما يضيف بعدًا إضافيًا لتشابك العلاقات داخل الحارة. فيما تحل نور صعب ضيفة في الحلقات الأخيرة بشخصية قادمة من لبنان تحمل مفاجآت درامية تقلب بعض الموازين. كذلك يقدم وليد حصوة شخصية «شكري»، الشاب العاطل عن العمل، الذي يشهد تطورًا لافتًا مع تصاعد الأحداث، في مسار يعكس تحولات اجتماعية واقتصادية تضغط على الشباب في تلك المرحلة.
رؤية المخرج تامر إسحاق
المخرج تامر إسحاق أكد أن العمل يعتمد على بطولة جماعية، حيث تتقاطع الخطوط الدرامية حول شخصية «اليتيم» دون أن تطغى على بقية الشخصيات. وأشار إلى أن التركيز ينصب على البعد الإنساني والاجتماعي أكثر من استعراض الصراعات التقليدية، موضحًا أن المسلسل لا يقدّم حكاية عن حارة فقط، بل عن بشر تحكمهم الظروف وتعيد تشكيلهم الصراعات في زمن مضطرب سياسيًا واجتماعيًا.
دراما شامية بمعالجة مختلفة
بهذا الطرح، يسعى «اليتيم» إلى إعادة تعريف دراما البيئة الشامية عبر كسر النمطية السائدة، وتقديم شخصيات أكثر عمقًا وتعقيدًا في بناءها النفسي والاجتماعي. ويراهن العمل على مزيج من التشويق والواقعية الإنسانية، واضعًا المشاهد أمام تجربة درامية مختلفة في موسم رمضان، حيث لا تُختزل الحكاية في صورة زعيم واحد أو حارة واحدة، بل في شبكة من المصائر المتداخلة التي تعكس تعقيدات الإنسان والسلطة في تلك الحقبة.




