يسجّل قسم «بانوراما» في الدورة الجديدة من مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026 حضورًا عربيًا لافتًا، يتقدمه الفيلم المصري «خروج آمن» (“Safe Exit”)، إلى جانب الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» (“Only Rebels Win”)، ضمن برنامج يضم 37 فيلمًا من 36 دولة، ويقدّم خريطة واسعة لاتجاهات السينما المستقلة المعاصرة، من حيث تنوّع الأساليب، وتعدد المرجعيات ا
لجمالية، وتقاطعاتها مع أسئلة الهوية والحرية والرغبة والتحولات الاجتماعية.
ويعكس اختيار «خروج آمن» حضور السينما المصرية داخل واحدة من أكثر منصات مهرجان برلين انفتاحًا على التجارب الجريئة، فيما يرسّخ وجود «لمن يجرؤ» استمرار الحضور اللبناني داخل المشهد السينمائي الدولي، بوصفه جزءًا من موجة سرديات عربية جديدة تنشغل بالإنسان في لحظات اختباره القصوى، بعيدًا عن القوالب الجاهزة والتصنيفات التقليدية.

ويميل برنامج بانوراما هذا العام إلى الاشتغال على العلاقات الإنسانية بوصفها مرآة للتحولات الاجتماعية والضغوط النفسية المعاصرة، حيث تتحول قصص الحب والارتباط إلى أدوات لقراءة العالم من الداخل. من «لالي» (“Lali”) و«إيفان وهدوم» (“Iván & Hadoum”) إلى الاقتباس السينمائي «ألّيغرو باستيل» (“Allegro Pastell”)، تتقاطع الحكايات العاطفية مع أسئلة الاختيار والهوية والقيود الاجتماعية، بينما يقدّم «لو كنت حيًا… لعشت» (“Se eu fosse vivo… vivia”) تصورًا مختلفًا للعلاقة الإنسانية بوصفها رابطة تتجاوز الزمن والغياب والذاكرة.
وفي مسار موازٍ، تطرح مجموعة من الأفلام قضايا الهجرة والاقتلاع والصراع من أجل البقاء، حيث يرصد «الحديقة التي حلمنا بها» (“El jardín que soñamos”) مصائر شخصيات تعيش على هامش الاستقرار، بينما يتقاطع «استمتع بإقامتك» (“Enjoy Your Stay”) مع ثيمات العبور القسري والأنظمة المغلقة والحدود غير المرئية التي تحاصر الأفراد في محطات الانتقال. في هذه الأعمال، تتحول الجغرافيا إلى عنصر ضاغط داخل السرد، ويصبح الجسد الإنساني ساحة لاختبار الخوف والانتظار وإعادة تعريف معنى الانتماء.
ويحضر البعد التأملي في عدد من الأعمال التي تنشغل بفكرة الوعي والذاكرة والوجود، من بينها «يوم عودتها» (“Geunyeoga doraon nal”)، الذي يعيد التفكير في العلاقة بين الفرد وصورته الذاتية داخل الحياة اليومية، ويشتبك مع فكرة التمثيل والواقع بوصفهما مساحتين متداخلتين، حيث تتوارى الحدود بين الأداء والحياة، وبين ما يُرى وما يُضمر.
كما تُظهر البرمجة اهتمامًا واضحًا بقضايا المرأة والتمكين والذاكرة الجسدية، عبر أفلام مثل «آرو» (“Árru”) و«رويا» (“Roya”) و«ليدي» (“Lady”)، التي تتعامل مع الجسد الأنثوي بوصفه مساحة تجربة ومقاومة وإعادة تعريف للذات داخل سياقات اجتماعية وسياسية متوترة. ويقدّم «اللحظة» (“The Moment”) مقاربة هجينة تمزج بين السخرية والوثائقي والتجريب، في قراءة لصناعة الصورة والتمثيل الذاتي وحدود الشهرة في العصر الرقمي.
ويحافظ البرنامج على حضور وثائقي كثيف يشتبك مع قضايا العزلة واليوتوبيا والذاكرة الجمعية. يتناول «في محيط الفردوس» (“Im Umkreis des Paradieses”) و«تريستان إلى الأبد» (“Tristan Forever”) مجتمعات تعيش في عزلة طوعية، تتقاطع فيها الرغبة في الانفصال عن العالم مع أنماط السيطرة والتنظيم الصارم للحياة اليومية. كما تفتح «الجانب الآخر من الشمس» (“The Other Side of the Sun”) و«آثار» (“Traces”) مساحات لرصد آثار الحروب والعنف والصدمة النفسية، عبر شهادات شخصية وصور للأمكنة التي أعادت الصراعات تشكيلها، في محاولة لإعادة بناء الذاكرة الفردية والجماعية.
ويضم البرنامج أيضًا بورتريهات سينمائية لفنانين معاصرين عبر «سيري هوستفيت: الرقص حول الذات» (“Siri Hustvedt – Dance Around the Self”) و«دوغلاس غوردون بواسطة دوغلاس غوردون» (“Douglas Gordon by Douglas Gordon”)، حيث تتقاطع السيرة الذاتية مع سؤال الإبداع والهوية الفنية، وتتحول التجربة الشخصية إلى مادة بصرية للتأمل.
وتواصل السينما الكويرية حضورها داخل بانوراما من خلال أعمال تستكشف الهوية والرغبة والتاريخ الشخصي والجماعي، من بينها «جبلان يثقلان صدري» (“Two Mountains Weighing Down My Chest”) و«الوجه الخفي للأرض» (“La Face cachée de la Terre”)، إلى جانب أعمال تعود إلى إعادة كتابة الذاكرة الكويرية مثل «تعليم جين كامينغ» (“The Education of Jane Cumming”) و«نارسيسو» (“Narciso”)، في سياق يعيد التفكير في علاقة الفرد بالجسد والذاكرة والمجتمع.
ويُختتم برنامج بانوراما بتسليم جائزة جمهور بانوراما لأفضل فيلم روائي وأفضل فيلم وثائقي وفق تصويت الجمهور، في تقليد يعكس الطابع التفاعلي لهذا القسم، ويؤكد موقعه كمساحة مفتوحة لاكتشاف سينما تعيد طرح أسئلة الإنسان المعاصر من زوايا متعددة، وتفتح أفقًا أوسع للحوار بين الصورة والعالم.




