قالت النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير إنها لا تفكر في الأدوار بوصفها تحديات ينبغي كسبها، بل تجارب ينبغي أن تُعاش، بالنسبة إليها، فالتمثيل ليس معركة مع الشخصية، ولا سباقاً لإثبات القدرة، بل حالة من الثقة الكاملة في اللحظة التي تقرر فيها الانخراط في مشروع ما.
وأكدت في حوار خاص على هامش حضورها مهرجان برلين السينمائي الدولي أن سرّ استمرارها يكمن في تلك اللحظة الفاصلة، لحظة الاختيار. حين تقرأ نصًا وتقول «نعم»، تشعر أن الفيلم قد بدأ فعليًا، وأن القرار نفسه يحمل داخله مصير التجربة، ما إن تختار حتى يصبح كل شيء محسومًا، وكأنها قطعت العهد مع العمل، ولم يعد هناك مجال للشك أو التردد.
هذا التصور رافقها في أحدث أعمالها The Blood Countess، الذي ينافس في المسابقة الدولية ضمن الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي، كما تراه، ليس حكاية تقليدية عن مصاصة دماء، بل تأمل مفتوح في فكرة البحث الدائم عن الحياة، حتى لو كان هذا البحث يمر عبر العتمة.
ورأت أن شخصيتها في الفيلم ليست شريرة بالمعنى المباشر، ولا يمكن اختزالها في صورة الكائن الدموي الذي يتغذى على الآخرين، بل هي أقرب إلى كائن يحمل رسالة غامضة، يسعى إلى شيء غير مُسمّى، شيء يرتبط بجوهر الحياة نفسها.
أوضحت أن الكونتيسة في الفيلم تجسد توقًا لا ينطفئ، هي تبحث عن مصدر للحياة، عن طاقة أولى، عن معنى يتجاوز الكلمات، وهذا السعي، كما تقول، يجعلها في تماس دائم مع الموت، المفارقة هنا أن الرغبة في الحياة تقودها إلى أقصى حافة الفناء، لكنها لا ترى في ذلك تناقضًا، بل انعكاسًا لطبيعة الإنسان ذاته، الذي يتحرك دائمًا بين نقيضين. ولهذا السبب تنجذب إلى هذه النوعية من الشخصيات؛ لأنها لا تؤمن بالأبعاد الأحادية، ولا تحب أن تُختزل الشخصية في خانة «خير» أو «شر». ما يهمها هو المساحة الرمادية، المنطقة التي تتداخل فيها الرغبات والدوافع، ويصبح الحكم الأخلاقي أقل وضوحًا.
وعن كيفية بناء الشخصية، قالت إن الشكل كان مدخلًا أساسيًا إلى الروح. الأزياء، تسريحة الشعر، الماكياج، كلها عناصر أسهمت منذ البداية في تشكيل ملامح الكونتيسة.
أوضحت أن رؤية المخرجة كانت واضحة، وأنها وجدت نفسها منسجمة معها تمامًا. لم يكن هناك تخطيط طويل أو نقاشات تحليلية معقدة حول كل تفصيلة، بل عملية اندماج تدريجي، تسللت فيها الشخصية إلى أدائها من خلال الإحساس العام بالعالم الذي تتحرك فيه.
تضيف أن فكرة كونها «كونتيسة» تنتمي إلى زمن بعيد أضفت ثقلًا داخليًا على الأداء. فهي شخصية تحمل تاريخًا، وتنتمي إلى سلالة نبيلة تعود إلى قرون، في حين أن الفيلم نفسه يتعمد اللعب بفكرة الزمن، إذ يبدو بلا تاريخ محدد. هذا التداخل بين العصور، بين الماضي والحاضر، جعلها تتبنى إيقاعًا خاصًا في الكلام والحركة.
تقول إن الشخصية تبدو أحيانًا كأنها غير مستقرة، غير متجذرة في مكان واحد، لأنها تسافر باستمرار ومستعدة للمغادرة في أي لحظة. هذا الشعور بالاقتلاع انعكس على حضورها، فجاءت نبرتها وكأنها معلّقة بين الأمكنة.
وعن تعدد اللغات داخل الفيلم، أشارت إلى أنها لم ترَ في الأمر عائقًا، بل عنصرًا دراميًا إضافيًا. فالشخصية تتنقل بين الفرنسية والإنجليزية والألمانية، لكنها رأت أن اللغات هنا لا تفصل بين الناس، بل تقرّبهم. حتى حين لا يتحدث الجميع اللغة نفسها، يبقى هناك خيط تواصل غير مرئي يجمعهم. وأقرت بأنها بذلت جهدًا خاصًا في الألمانية لأنها لا تتقنها، لكن ذلك كان جزءًا من متعة العمل، لا عبئًا عليه.
أما عن نبرة الفيلم، فأكدت أنها لم تُفاجأ بطابعه الساخر والخفيف، منذ قراءة السيناريو أدركت أن العمل لا يسعى إلى تقديم مقاربة ميلودرامية أو نفسية تقليدية. لم تتوقع أن تبني الشخصية على تحليل عاطفي مباشر أو تفسير منطقي واضح، بل على الإحساس والانطباع. ترى أن الفيلم يقوم على الصور أكثر مما يقوم على الشرح، وعلى الإيحاء أكثر مما يعتمد على التفسير. واستعادت شعورها أثناء مشاهدة الفيلم مع الجمهور، حين لاحظت دهشتهم، كأنهم لا يصدقون ما يرونه. بالنسبة إليها، هذا الإحساس جزء من سحر السينما، أن تنتقل من لحظة إلى أخرى من دون أن تدرك تمامًا كيف حدث ذلك، ومع ذلك تبقى منجذبًا إلى ما يحدث أمامك.
وعن تكرارها أداء أدوار نساء قويات، يحملن جانبًا مظلمًا أو أخلاقيًا إشكاليًا، قالت إنها لا تبحث عن القوة في حد ذاتها، بل عن التناقض. كثير من الشخصيات التي أدتها، كما تقول، تعيش حالة شدّ دائم بين الخير والشر، بين الرغبة في السيطرة والرغبة في الحب، بين التدمير والبناء. وفي حالة الكونتيسة، مسألة شرب الدم ليست سوى استعارة، قراءة مجازية لعلاقة الإنسان بالحياة، ولنزوعه أحيانًا إلى التمسك بها بأي ثمن. تؤكد أن الشخصية لا يمكن النظر إليها باعتبارها شريرة فقط، بل هي في بحث مستمر عن شيء تراه مشروعًا، حتى لو بدا للآخرين صادمًا.
وفي ما يتعلق بفكرة «النجاح»، بدت غير معنية بالمعايير التقليدية. قالت إنها لا تختار فيلمًا لأنه قد يحقق نجاحًا جماهيريًا أو جوائز، لأن ذلك لا يمكن التنبؤ به. يكفي أن يلمس العمل شخصًا واحدًا حتى يكون ناجحًا في نظرها. لا يمكن لأي عمل فني أن يرضي الجميع، ولا ينبغي له أن يحاول ذلك. الأذواق ذاتية بطبيعتها، والفن لا يُقاس بعدد المعجبين، بل بصدق التجربة.
تحدثت أيضًا عن متعة العمل في مواقع التصوير، مشيرة إلى مشاهد المركب في الافتتاح، التي كانت تجربة خاصة بالنسبة إليها، رغم اعترافها بشيء من الضيق في الأماكن المغلقة. ومع ذلك، سرعان ما تحولت التجربة إلى لحظة ممتعة، حتى وإن كان الطقس باردًا. كما لفتت إلى مشاهد المتحف الطبي بما يحويه من معروضات صادمة، معتبرة أن دخول هذه الأمكنة النادرة أضاف بعدًا واقعيًا غريبًا إلى عالم الفيلم.




