“يوما ما ولد”…فيلم لبناني قصير في برلين عن طفل “خارق”

يطلّ الفيلم القصير «يوماً ما، ولد» في الدورة الجديدة من مهرجان برلين السينمائي الدولي، مستعرضًا طفولة هشّة تتقاطع فيها المخيلة مع العنف واللعب مع الخوف، في إنتاج فرنسي ـ روماني ـ لبناني يعكس أثر الحرب على الأطفال والمجتمع.

فريق التحرير
فريق التحرير
العرض العالمي الأول لفيلم «يوماً ما، ولد»

ملخص المقال

إنتاج AI

فيلم «يوماً ما، ولد» القصير، المشارك في مهرجان برلين، يستكشف ذاكرة الطفولة المعقدة في ظل الحرب بلبنان، حيث يكتشف طفل قدرة خارقة تتصادم مع الخوف والقمع الاجتماعي، مما يحول خياله إلى واقع مدمر. الفيلم من إنتاج فرنسي-روماني-لبناني.

النقاط الأساسية

  • فيلم "يوماً ما، ولد" يستكشف الطفولة بين الخيال والعنف في لبنان.
  • الفيلم يعرض قدرة طفل خارقة في قرية تحت تهديد الحرب المستمر.
  • العمل يطرح أسئلة حول القوة والسلطة وتأثير الحرب النفسي.

في الدورة الجديدة من مهرجان برلين السينمائي الدولي، يطلّ الفيلم القصير «يوماً ما، ولد» بوصفه عملاً يشتبك مع الذاكرة الفردية والجماعية في آن، مستعيداً الطفولة لا باعتبارها مساحة براءة خالصة، بل باعتبارها منطقة هشّة تتقاطع فيها المخيلة مع العنف، واللعب مع الخوف، والقدرة الكامنة مع القمع الاجتماعي والسياسي.

العرض العالمي الأول للفيلم ضمن قسم الأفلام القصيرة يمنحه موقعاً خاصاً، لا سيما أنه يأتي من إنتاج مشترك فرنسي ـ روماني ـ لبناني، حاملاً حساسية سينمائية تنطلق من قرية لبنانية صغيرة لتطرح سؤالاً كونياً حول القوة، والسلطة، والطفولة تحت سماء مهددة.

تدور أحداث «يوماً ما، ولد» حول طفل في الحادية عشرة من عمره يعيش مع عمه في قرية لبنانية لا تغيب عنها أصوات الطائرات الحربية. الحرب هنا ليست حدثاً استثنائياً، بل خلفية يومية، ضجيجاً مألوفاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة. في هذا المناخ، يكتشف الطفل امتلاكه قدرة غير اعتيادية، قوة غامضة لا يفهم حدودها، بينما يسعى عمه إلى جعله يبدو «طبيعياً»، دافعاً إياه إلى إخفاء كل ما يخرجه عن القاعدة.

غير أن ما يُقمع لا يختفي، وما يُدفن لا يموت. حين يتسبب الطفل، من دون قصد، في سقوط طائرتين حربيتين، تنفلت القوة من عقالها، ويتحوّل السر إلى عبء، واللعب إلى كارثة، والخيال إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه.

الفيلم من تأليف وإخراج اللبنانية ماري روز أسطا، التي تستند في عملها إلى ذاكرة شخصية عميقة، تستحضر أوستا بيت أجدادها في منطقة عكار، ذلك البناء الإسمنتي غير المكتمل الذي ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم، وعلى مشاريع توقفت فجأة قبل أن ترى اكتمالها.

في الفيلم، يتحول هذا البيت غير المنجز إلى فضاء رمزي، متاهة مفتوحة على الريح والنباتات، سلالم تؤدي إلى العدم، وغرف بلا نوافذ مكتملة، إنه مكان للحرية كما هو مكان للتيه، مساحة للعب كما هو مساحة لقلق خفي. من هنا تنبع جمالية العمل، إذ يصبح المكان شخصية قائمة بذاتها، تعكس هشاشة الواقع اللبناني، وتحوّل الخراب إلى فضاء تخييلي.

Advertisement

لا يقدّم «يوماً ما، ولد» الحرب بوصفها مشاهد معارك مباشرة، بل يكتفي بصوت الطائرات كحضور طاغٍ. الصوت في الفيلم عنصر درامي أساسي؛ هو الإنذار الدائم، والظل الذي يسبق الانفجار.
العلاقة بين الصوت والحدث، بين الكلمة والكارثة، تحيل إلى تلك اللحظة الفارقة حين يشعر الطفل أن مخيلته قد تستدعي الدمار. هنا يلامس الفيلم منطقة رمادية بين الواقعي والفانتازي، فلا يقدّم تفسيراً علمياً لقدرة الطفل، ولا يسقط في استعراض المؤثرات البصرية، بل يبقي كل شيء معلقاً بين الاحتمال والاستعارة.

أداء الطفل الذي يجسد الشخصية الرئيسية يمنح الفيلم صدقه العاطفي. ملامحه المترددة، فضوله، خوفه المكتوم، وصراعه بين الرغبة في الاختبار والخشية من العقاب، كلها تفاصيل تُبنى بهدوء ومن دون افتعال.

في المقابل، يمثل العم سلطة مزدوجة: سلطة العائلة وسلطة المجتمع، ذلك الصوت الذي يطالب بالانضباط، ويخشى الاختلاف، ويعتبر النجاة مرادفة للامتثال. العلاقة بينهما لا تقوم على صدام مباشر، بل على توتر صامت، على نظرات وإيماءات تختزن تاريخاً من القلق.

اختيار عرض «يوماً ما، ولد» في برلين يحمل دلالة خاصة. فالمهرجان الذي عُرف بانفتاحه على السينما السياسية والإنسانية يمنح هذا العمل منصة عالمية، لا لكونه فيلماً عن الحرب فحسب، بل لأنه يتناول أثرها النفسي والرمزي على جيل كامل. الطفل هنا ليس بطلاً خارقاً بالمعنى التقليدي، بل كائن هشّ يحمل طاقة أكبر منه، طاقة قد تكون خلاصاً أو لعنة. ومن خلال هذه المفارقة، يطرح الفيلم سؤالاً عن معنى القوة في سياق يتسم بالعجز الجماعي.