التصريح الصادم الذي أدلى به الكاتب والسيناريست أحمد مراد خلال ندوة فيلم الست أثار موجة واسعة من الجدل والتفاعل، بعد أن قال إن “تقديم سيرة أم كلثوم في فيلم أصعب من تقديم سيرة رسول”، في محاولة منه لوصف حجم التحدي في كتابة عمل عن كوكب الشرق. الجملة اعتبرها كثيرون “تشبيهًا غير موفق” يمسّ بالمقارنة بين رمز ديني وشخصية فنية، بينما رآها آخرون “مبالغة تعبيرية” أراد بها التأكيد على مكانة أم كلثوم في الوجدان العربي والعالمي.
ماذا قال أحمد مراد بالضبط في الندوة؟
خلال ندوة لفريق فيلم الست على هامش مهرجان مراكش الدولي للفيلم، تحدث مراد عن صعوبة كتابة عمل يستعيد سيرة أم كلثوم، قائلاً إن “أصعب حاجة اتعرض لها في حياته” كانت أن يكتب عن هذه الشخصية، ثم أضاف: لو كنا بنعمل فيلم عن رسول كان هيبقى أسهل شوية، لأن أم كلثوم مش مجرد سيدة مصرية، دي سيدة عربية وعالمية. أراد مراد – بحسب ما أوضح في مداخلات لاحقة – الإشارة إلى أن حجم التوثيق، وتعدد الروايات، وارتباط أم كلثوم بذاكرة أجيال كاملة من الجمهور يجعل أي معالجة درامية لسيرتها عُرضة لتدقيق قاسٍ وانتقادات عاطفية، أكثر مما لو كان العمل عن شخصية دينية يتم تناولها عادةً بقدْر أكبر من التوقير والابتعاد عن تفاصيل الحياة الشخصية.
ردود فعل غاضبة وانتقادات دينية وإعلامية
التصريح لم يمرّ مرور الكرام؛ إذ هاجمه كثير من رواد مواقع التواصل، معتبرين أن المقارنة “تتجاوز الحدود” حتى لو جاءت في سياق مجازي، وطالب بعضهم مراد بالاعتذار العلني عن ذكر “الرسول” في سياق مقارنة فنية مهما كانت مكانة أم كلثوم. الشيخ مظهر شاهين، على سبيل المثال، وصف التصريح بأنه “قلة حياء” وأنه “لا يجوز دينيًا أو أخلاقيًا وضع أي فنان – مهما كان تأثيره – في جملة واحدة مقارنة بالأنبياء”، مطالباً بقدر أعلى من المسؤولية في اختيار التعبيرات أمام الجمهور. على الجانب الآخر، دافع بعض الكتّاب والنقّاد عن مراد، مشيرين في مقالات تحليلية إلى أن جملته تُقرأ كمجاز انفعالي للتعبير عن “استحالة فنية”، وأن تحميلها دلالات عقائدية حرفية يتجاهل طبيعة اللغة التي يستخدمها المبدعون في الندوات.
بين حرية التعبير وحساسية الرموز
النقاش الذي انفجر حول جملة مراد تجاوز شخصه وفيلم الست ليطرح سؤالاً أوسع عن حدود التشبيه والمبالغة عند الحديث عن رموز دينية أو فنية. فريق يرى أن استدعاء الأنبياء أو الرموز الدينية في مقارنات فنية أو ساخرة خط أحمر يجب تجنّبه تماماً، حتى لو نوى المتحدث غير ذلك، لأن وقع الكلمات على الجمهور لا يُقاس دائمًا بنية صاحبها. في المقابل، يرى آخرون أن التضخيم المفرط لكل زلة تعبيرية قد يخنق حرية الفنان في استخدام المجاز والمبالغة، ما يجعل النقاش حول الفن والسير الذاتية محكوماً بلغة خشبية ورسميات تقتل العفوية، مؤكدين في الوقت نفسه أن من حق الجمهور أن يغضب ومن حق الفنان أن يوضّح قصده أو يعتذر إن رأى أن تشبيهه فُهم على غير ما أراد.
بهذا المعنى، تحوّل تصريح أحمد مراد من جملة عابرة في ندوة إلى شرارة نقاش واسع عن حساسية تناول “الرموز الكبرى” – سواء كانت دينية أو فنية – وعن مدى استعداد الجمهور لتلقي أعمال تعيد قراءة تلك الرموز من زوايا إنسانية جديدة، كحال فيلم الست مع أم كلثوم.




