في لحظة نادرة جمعت بين البهجة السينمائية والحنين إلى زمن المجازفة الحقيقية، صفق جمهور مهرجان كان السينمائي قرابة ثماني دقائق لفيلم “المهمة المستحيلة: الحساب الأخير”، فيما بدا وكأنه وداع احتفالي لأيقونة الإثارة توم كروز. الفيلم، الذي قُدم كحدث سينمائي أكثر من كونه عرضاً تقليدياً، حمل في طياته رسالة مزدوجة: نهاية محتملة لملحمة استمرت عقوداً، وذروة للذات الأسطورية التي صنعها كروز لنفسه على الشاشة.
منذ ظهوره الأول عام 1996، كان إيثان هانت – العميل السري الذي لا يعرف المستحيل – تجسيدًا لصورة البطل الهوليودي القديم: ذلك الذي لا يخشى السقوط من ناطحة سحاب، ولا يهاب ركوب طائرة من دون طيار، ولا يتردد في التضحية بحياته من أجل المهمة. ومع كل جزء جديد، لم تكن السلسلة تكتفي بتكرار النجاحات، بل كانت تدفع الحدود الفنية والجسدية إلى أقصى مداها.
لكن “الحساب الأخير”، ورغم أنه يحمل صفة “الجزء الأخير” نظرياً، يبدو وكأنه قصيدة وداعية طويلة كتبها كروز لنفسه، على طريقته الخاصة: مزيج من الجنون السينمائي، والتفاني الجسدي، والانغماس العاطفي في شخصية باتت امتدادًا له أكثر من كونها دورًا يؤديه.

عرض استثنائي في كان
اختيار مهرجان كان لعرض الفيلم خارج المسابقة الرسمية كان بمثابة شهادة اعتراف بأن السينما الجماهيرية يمكن أن تكون حدثًا فنيًا بحد ذاته. وقوف الجمهور تحية للفيلم لم يكن مجرد تقدير لتوم كروز، بل احتفاءً بشكل سينمائي بدأ يختفي تدريجياً مع صعود الذكاء الاصطناعي والمؤثرات الرقمية الباردة.
في قلب هذه التظاهرة البصرية، بدا كروز وكأنه يستعيد دور المخلص السينمائي، الرجل الذي لا يزال يؤمن بأن الجسد البشري – لا الشاشة الخضراء – هو مفتاح الإثارة الحقيقية. كان يقف هناك، ممثلاً ومنتجًا وبطلاً، يتلقى التصفيق بوصفه “تجسيداً حياً للمصير”، كما وصفه أحد الشخصيات في جزء سابق.
يحمل الفيلم عنوانًا يوحي بالحسم: “الحساب الأخير”. لكن الحبكة، كما في أغلب أجزاء السلسلة، هي في الواقع مجرد مبرر للمشاهد الحركية الجامحة. إيثان هانت يجد نفسه هذه المرة في مواجهة “الكيان”، نظام ذكاء اصطناعي يهدد البشرية، ويُعاد تدوير مفاهيم فلسفية من رواية “الكثيب” لفرانك هربرت، كـ”الجهاد البوتليري”، وهي فكرة محو الآلات المفكرة التي خرجت عن السيطرة.
ورغم التلميحات الفكرية العميقة، لا يسعى الفيلم لتحليلها، بل يستخدمها كقشرة لامعة تغلف نواة من المشاهد الاستعراضية. هانت، كما العادة، هو المركز، المنقذ، والوحيد القادر على إنقاذ العالم. وحتى حينما تظهر شخصيات أخرى، فإن وجودها يخدم في الغالب تعزيز هالته، وليس التوازن الدرامي.
توم كروز بطل للنهاية
منذ بداية الفيلم، لا شك في أن كروز هو النجم المطلق. اسمه يتصدر الافتتاح، ليس فقط كممثل، بل كمنتج رئيسي. يشعر المشاهد أن كل مشهد قد صُمم ليظهره في أفضل صورة، جسديًا ونفسيًا. من مطارداته المجنونة على سطح قطارات منطلقة، إلى قفزاته بين طائرات مزدوجة الأجنحة، يبدو كروز كمن يسعى لتخليد أسطورته من خلال المجازفة.
ورغم أن البعض قد يرى في ذلك استعراضًا نرجسيًا، إلا أن الفيلم لا يتنكر له. بل يعتنقه بوصفه جزءًا من المتعة. “المهمة المستحيلة” لطالما كانت سلسلة قائمة على الجسد البطولي، وكروز، في هذا الجزء، يضفي عليها أبعادًا شبه ميتافيزيقية، كأنه حالة ذهنية أكثر منه شخصية.

استعادة العائلة السينمائية
على مدار الأجزاء الأخيرة، بدأ كروز في إعادة تكوين “عائلة سينمائية” حول هانت. عاد فنغ رامس وسايمون بيغ في أدوار لثر وبنجي، ومعهما هايلي أتويل بدور “غرايس”، الحبيبة المعلقة بين الرغبة والانتماء المهني، الفيلم يمنح لحظات لعدد من الشخصيات الثانوية، في محاولة لتوسيع المفهوم التقليدي لـ”البطل الواحد”. نشهد أداءً مميزًا من بوم كليمنتيف، التي تتحول من قاتلة إلى شريكة في المعركة، وكذلك كايتي أوبراين وتراميلتيلمان، اللذين يقدمان لمحات إنسانية وسط زحام الإثارة.
لكن، في النهاية، تظل الكاميرا تعود دومًا إلى كروز. كأنما أراد الفيلم أن يقول: حتى حين يصنع توم فريقًا، فهو لا يزال النجم الأول والوحيد.
في لحظة أخرى، نرى وجه كروز يتغير في الطائرة، ووجنتاه تتطايران بفعل الضغط الجوي، وكأنه على وشك التحلل أمامنا. هذه المشاهد لا تهدف فقط للدهشة، بل تحمل جانبًا تأمليًا، كأنما يعترف كروز بزوال الجسد في مواجهة الزمن، حتى لو استمر في التمرد عليه.
التقارير تشير إلى أن ميزانية الفيلم تقترب من 300 مليون دولار، ما يجعله من بين الأغلى في التاريخ. لكن على الرغم من هذا الاستثمار الهائل، يبقى “الحساب الأخير” بعيداً عن التوتر العاطفي الحقيقي الذي يميز الأعمال العظيمة.
يمنحنا الفيلم متعة بصرية بلا شك، لكنه لا يترك ذلك الأثر الداخلي الذي يجعلنا نتأمل طويلاً بعد النهاية. نخرج من القاعة مبهورين، نعم، لكن ربما غير متأثرين تمامًا.
رغم العنوان، لا يقدم الفيلم نهاية حاسمة. بل يترك الباب مفتوحاً أمام جزء لاحق، ربما بعد عام أو عامين، بحسب ما تسمح به ظروف الإنتاج وطاقة كروز. لكن إذا ما كان هذا حقًا آخر ظهور لإيثان هانت، فإنه وداع لا يفتقر للكرامة، بل يفيض بالاعتزاز والأسطورة.