بني آدم.. أحمد حلمي يعيد المسرح إلى الحياة من قلب جدة

بعد نجاحها بالرياض، تعود مسرحية “بني آدم” وأحمد حلمي إلى خشبة مسرح جدة، في عرض يمزج بين الكوميديا والرمزية بقالب إنساني وترفيهي معاصر.

فريق التحرير
فريق التحرير
مسرحية بني آدم

ملخص المقال

إنتاج AI

تعود مسرحية "بني آدم" لأحمد حلمي إلى مسرح جدة بعد نجاحها في الرياض. تدور الأحداث حول فتاة تحاول إعادة الحياة لمسرح مهجور، وتصطدم بروح تسكن المكان. تتناول المسرحية مفاهيم إنسانية بقالب كوميدي، مع أداء متميز من فريق العمل وتوظيف ذكي للتقنيات.

النقاط الأساسية

  • مسرحية "بني آدم" تعود إلى جدة بعد نجاحها في الرياض، ببطولة أحمد حلمي.
  • حلمي يجسد "غندور" بطريقة غير نمطية، مع التركيز على التفاعل مع الجمهور.
  • المسرحية تمزج الكوميديا بالرمزية، وتقدم رؤية إخراجية متوازنة ومدروسة.

بعد نجاحها الكبير في موسم الرياض، تعود مسرحية “بني آدم” إلى الخشبة مرة أخرى، وهذه المرة من على مسرح جدة، لتؤكد مكانتها كأحد أبرز العروض المسرحية الحديثة التي تمزج بين الكوميديا والرمزية، وتطرح مفاهيم إنسانية ببساطة من دون أن تتخلى عن الجانب الترفيهي.

المسرحية من بطولة الفنان أحمد حلمي، الذي يخوض من خلالها تجربة فنية مختلفة، حيث يجسد شخصية “غندور” أو “الشيطان” في صياغة فنية غير نمطية، لا تعتمد على المواجهة التقليدية بين الخير والشر، بل تتعامل مع الشخصية بصفتها كائنًا يمكن أن يتغيّر، ويتأثر، ويتحوّل بفعل الحب والتعايش والتجربة الإنسانية.

تبدأ الأحداث عندما ترث فتاة شابة تُدعى “فرح” مسرحًا مهجورًا كانت تملكه عائلتها، وتحاول أن تعيده إلى الحياة، لكنها تصطدم بروح تسكن المكان، ترفض التغيير وتحاول تعطيل مشروعها. ومع تطور الأحداث، تتغيّر علاقة “غندور” بـ”فرح”، ويبدأ في اكتشاف جانب آخر من البشر، لم يعرفه من قبل. ومن خلال هذا الصراع الهادئ تتكشف الكثير من القيم والمفارقات التي تحملها المسرحية في قالب ساخر.

يقدّم حلمي في هذا العمل أداءً ناضجًا يبتعد فيه عن الاستعراض الزائد، ويركز على التفاعل الحي مع الجمهور، وهي إحدى أبرز نقاط قوته في المسرح. قدرته على الارتجال دون كسر الإيقاع، والتعامل مع الجمهور كجزء من العرض، منحت النص حيوية ودفئًا، وأعادت للأذهان روحه المسرحية التي طالما ميّزت بداياته. يتنقل حلمي بسلاسة بين السخرية والموقف الجاد، ويستخدم لغة جسده وإيقاع صوته كأدوات رئيسية في تقديم شخصية مركبة مثل “غندور”، بروح خفيفة لا تخلو من العمق.

المخرج هشام عطوة قدّم رؤية إخراجية مدروسة، توظف العناصر التقنية بشكل فعّال يخدم النص من دون أن يُثقل عليه. استخدم المؤثرات البصرية، وحركة الممثلين، والإضاءة، والديكور بشكل متناغم مع الإيقاع الدرامي للمشاهد. أبرز مثال على ذلك هو استعراض البداية، الذي قدّم تحية رمزية لتاريخ المسرح المصري من خلال استدعاء مشاهد شهيرة من أعمال مثل “مدرسة المشاغبين” و”الواد سيد الشغال”، بأسلوب يحترم الإرث ولا يسطو عليه.

كما لعبت التكنولوجيا المسرحية دورًا واضحًا في دعم بعض المشاهد، سواء عبر الظهور المفاجئ للبطل، أو استخدام المؤثرات السمعية والبصرية في مشاهد التحول، وهو ما أضاف عنصر مفاجأة وحيوية للعرض. هذا التوازن بين التقنيات الحديثة والبناء المسرحي التقليدي منح “بني آدم” طابعًا معاصرًا، دون أن يبتعد عن هوية المسرح الحي.

Advertisement

في دور “فرح”، تظهر الفنانة السعودية أسيل عمران بأداء مختلف عن أدوارها السابقة، تجمع فيه بين التلقائية والطاقة، وتقدّم شخصية شابة تسعى لإثبات ذاتها وإحياء حلمها، وسط معوقات تتجاوز الخوف من الأشباح. تظهر أسيل في أكثر من استعراض، وتشارك حلمي مشاهد يتخللها حس كوميدي واضح، مع تفاعل إنساني يُظهر جانبًا عاطفيًا في تطور العلاقة بين الشخصيتين.

ولم يكن فريق العمل المشارك أقل حضورًا. يبرز حمدي الميرغني في دور مساعد “غندور”، ويقدّم مشاهد خفيفة تعتمد على كوميديا الإفيه الذكي والتعليق على المواقف. أما محمد جمعة، فيستحضر بعض سمات شخصية “عم ضياء” الشهيرة، لكن بإطار أكثر توازنًا يناسب السياق العام للمسرحية، ويقدّم جرعة من الكوميديا السوداء التي تعكس جانبًا آخر من السرد.

ياسمينا العبد تلعب دور فتاة ذات موهبة رغم ضعف نظرها، تؤدي شخصيتها ببراءة مقنعة، وتجعل الجمهور يتعاطف معها من دون افتعال. مصطفى خاطر يجسّد شخصية المخرج الشاب، الذي يواجه تحديات إنتاج أول عمل له، وتظهر من خلاله بعض المفارقات حول صعوبات العمل الفني. وتضيف إيمان السيد طابعها الكوميدي الخاص في أداء متزن، يقدّم لحظات ضاحكة دون مبالغة، فيما يظهر عماد رشاد بدور الأب صاحب المسرح السابق، بدور هادئ لكنه مؤثر في بنية القصة.

ما يميز “بني آدم” عن كثير من العروض الكوميدية الحديثة، هو أنها لا تركن إلى الإفيهات وحدها، ولا تستند فقط إلى أسماء نجومها، بل تقدّم بناءً دراميًا واضحًا ومتصاعدًا، يُراعى فيه تسلسل الأحداث وتطوّر الشخصيات. تكتفي المسرحية بإطار بسيط لكنه غني، يدفع المتفرج للتأمل في الرسالة دون أن تفرضها عليه. هي مسرحية ترفيهية بالأساس، لكنها لا تخلو من مضمون إنساني واضح حول الصراع، والرغبة في التغيير، والقدرة على إعادة النور إلى ما انطفأ.

نجاح العرض لا يعود فقط إلى أداء أحمد حلمي، رغم أهميته المركزية، بل إلى التناغم العام في كل عناصر العمل؛ من النص والإخراج إلى الأداء الجماعي، والتوظيف الذكي للتقنيات، وانتهاءً بالحضور الحقيقي على المسرح، والتفاعل الحي مع الجمهور، الذي أصبح جزءًا من إيقاع العرض وليس متفرجًا فقط.