في عالم الجمال والعناية بالبشرة، غالباً ما نبحث عن الكريمات والسيرومات التي تعدنا بنضارة وإشراقة فورية. لكن العلم الحديث كشف أن سر نضارة البشرة لا يكمن فقط في ما نضعه على الجلد، بل يبدأ من الداخل… من أمعائنا. البروفيسور جيوفاني ليونيتي، خبير الجهاز الهضمي والجراحة العامة، يكشف في هذا اللقاء كيف يؤثر توازن الأمعاء والميكروبيوم على نقاء البشرة، وكيف يمكن لبعض العادات اليومية البسيطة أن تحوّل بشرتك من باهتة ومتعبة إلى مشرقة ومتوهجة.
الجلد: لغة تواصل خفية تظهر على الوجه
يقول البروفيسور جيوفاني ليونيتي، خبير الجراحة العامة وأحد أبرز أطباء الجهاز الهضمي في Cornerstone Clinic: أن صحة الأمعاء لها تأثير مباشر على نضارة البشرة والمشكلات التي تظهر عليها مثل حب الشباب، الأكزيما، وعلامات الشيخوخة المبكرة، عبر ما يعرف بـ محور الأمعاء–الجلد، وهو نظام تواصل ثنائي الاتجاه يشمل الجهاز المناعي، الأعصاب، الهرمونات، وميكروبات الأمعاء. أي خلل في توازن هذه البيئة الدقيقة — سواء ضعف حاجز الأمعاء أو اختلال الميكروبيوم — قد ينعكس سريعاً على مظهر البشرة وصحتها.
7 علامات تخبرك أن أمعاءك ليست بخير
البروفيسور جيوفاني ليونيتي يؤكد أن البشرة غالباً ما تكون المرآة الأولى لحالة أمعائنا، فهي تعكس التوازن الداخلي للجهاز الهضمي، وأي اختلال فيه يمكن أن يظهر على الجلد بأشكال متعددة. من أبرز العلامات التي تدل على اختلال الميكروبيوم أو ضعف حاجز الأمعاء ما يلي:
- حب الشباب والبثور المستمرة: يظهر بشكل خاص على منطقة الذقن والفك، وقد يكون مرتبطاً بالتهاب الأمعاء واضطراب الهرمونات، وكذلك تغير إنتاج الزيوت الطبيعية للبشرة (السيبوم)، والذي تتأثر معدلاته بشكل مباشر بتوازن البكتيريا في الأمعاء.
- الأكزيما أو التهاب الجلد: تعتبر البقع الجلدية الجافة، المتقشرة، والحاكة من أكثر العلامات شيوعاً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف تنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء وحاجز معوي ضعيف. هذا الوضع يسمح للمواد المهيجة والسموم بالدخول إلى مجرى الدم، ما يحفز استجابة مناعية تظهر على شكل التهابات جلدية مزمنة.
- الوردية (Rosacea): تتميز بالاحمرار المستمر في الوجه، والنوبات المفاجئة من الاحمرار، وظهور نتوءات صغيرة حمراء، وقد أظهرت الدراسات ارتباطها بشكل وثيق باضطرابات الأمعاء، مثل فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO).
- الصدفية (Psoriasis): هذه الحالة المناعية الذاتية، التي تسبب ظهور بقع سميكة متقشرة وحمراء على الجلد، غالباً ما تكون مرتبطة بالتهابات داخل الأمعاء ومشاكل صحية متعلقة بالجهاز الهضمي.
- الاحمرار والالتهابات العامة: الالتهاب المزمن الذي ينشأ من أمعاء غير صحية يمكن أن يظهر على شكل احمرار واسع للبشرة، تهيج، أو طفح جلدي منتشر.
- الجفاف وتقشر الجلد: اختلال توازن الأمعاء قد يعيق امتصاص العناصر الغذائية الأساسية لصحة البشرة، مثل أحماض أوميغا 3، الفيتامينات A وE والزنك، ما يؤدي إلى بشرة جافة، خشنه، باهتة، تفتقد الحيوية والترطيب الطبيعي.
- انتفاخ حول العينين والهالات السوداء: يمكن أن ترتبط هذه العلامات بسوء الهضم وعملية التخلص من السموم غير الفعالة في الأمعاء والكبد، مما يجعل منطقة تحت العين عرضة للاحتقان والانتفاخ وتغير اللون.
يخلص البروفيسور ليونيتي إلى أن مراقبة هذه العلامات على البشرة يمكن أن تكون مؤشرًا مبكرًا على وجود اختلال في الأمعاء، ما يتيح التدخل المبكر عبر تحسين النظام الغذائي، تعزيز ميكروبيوم الأمعاء، واعتماد أسلوب حياة متوازن ينعكس على صحة البشرة وجمالها بشكل ملموس.
من الفم إلى الأمعاء… ثم إلى البشرة
يؤكد البروفيسور ليونيتي أن كثيرين لا يدركون أن صحة الفم تشكّل حلقة أساسية في سلسلة صحة الأمعاء والبشرة. فإهمال العناية بالأسنان واللثة يفتح المجال أمام البكتيريا الضارة للانتقال بسهولة من الفم إلى الجهاز الهضمي، حيث تُحدث خللاً في توازن الميكروبيوم المعوي (Dysbiosis). هذا الخلل يؤدي بدوره إلى ارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم، والذي قد يظهر على سطح البشرة في صورة بثور، احمرار، تهيّج، أو تفاقم أمراض جلدية مزمنة.
في المقابل، فإن الحفاظ على ميكروبيوم صحي داخل الفم — من خلال العناية اليومية المنتظمة والفحوص الدورية — ينعكس إيجاباً على صحة الأمعاء، ويساعد على ضبط الالتهاب وتحقيق ما يُعرف بـ Skin Homeostasis، أي توازن البشرة واستقرارها الصحي. فالبكتيريا قادرة على التنقل داخل الجسم، ويظل الالتهاب هو الرابط الأهم الذي يفسّر هذه العلاقة الثلاثية بين الفم، الأمعاء، والبشرة.
مواسم الاحتفال عدوة البشرة
رغم أن المواسم الاحتفالية ترتبط بالفرح واللقاءات الاجتماعية، إلا أنها قد تكون من أكثر الفترات قسوة على صحة الأمعاء والبشرة معاً. يشير البروفيسور ليونيتي إلى أن الإكثار من الأطعمة الغنية بالسكر، الكربوهيدرات المكررة، والدهون المصنعة يرفع مؤشرات الالتهاب في الجسم، ما يؤدي إلى ظهور حب الشباب، زيادة إفراز الدهون، واندلاع التهابات مفاجئة في الجلد.
ولا يقل تأثير المشروبات الكحولية خطورة، إذ تسبب الجفاف، توسّع الشعيرات الدموية، واحمرار البشرة. يضاف إلى ذلك عاملان لا يمكن تجاهلهما خلال هذه الفترات: التوتر وقلة النوم، وهما عنصران يخلخلان توازن الأمعاء والجلد، ويجعلان البشرة أكثر هشاشة واستعداداً لظهور البثور والالتهابات.
أساطير غذائية شائعة
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هو التقليل من خطورة السكريات والكربوهيدرات المكررة على صحة الأمعاء والبشرة. فهذه الأطعمة لا ترفع فقط مستويات الالتهاب، بل تسهم أيضاً في ظهور حب الشباب، وتسريع شيخوخة الجلد وفقدانه للمرونة.
كذلك، يخلط الكثيرون بين أنواع الدهون، فيظنون أن جميعها مضرّ. والحقيقة أن نوعية الدهون هي العامل الحاسم: فالدهون غير الصحية الموجودة في الأطعمة المقلية والمصنّعة تُعد من أكثر العوامل تدميراً لميكروبيوم الأمعاء وإشراقة البشرة، في حين أن الدهون الصحية الموجودة في المكسرات والبذور وزيت الزيتون تلعب دوراً داعماً في ترطيب الجلد، تعزيز مرونته، ومنحه إشراقة طبيعية من الداخل.
عندما يصبح الـDNA مفتاح إشراقة بشرتك
يشرح البروفيسور ليونيتي أن مستقبل العناية بالبشرة يبدأ اليوم من خلال التغذية المعتمدة على الخريطة الجينية (DNA)، والتي تقوم على تخصيص النظام الغذائي بحسب الاحتياجات الوراثية الدقيقة لكل شخص. هذا النوع من التغذية يساهم بشكل مباشر في تحسين صفاء البشرة، تعزيز الترطيب، وزيادة الإشراقة، عبر دعم إنتاج الكولاجين، تعزيز الحماية بمضادات الأكسدة، وتحقيق توازن الرطوبة داخل الخلايا.
وتساعد هذه الخطط الغذائية الشخصية على تزويد الجسم بالمستويات الدقيقة من الفيتامينات والمعادن الأساسية — مثل فيتامين C الضروري لإصلاح الخلايا — بالإضافة إلى تجنّب الأطعمة التي قد تحفّز الالتهاب لدى بعض الأشخاص، والتي تنعكس سلباً على صحة الجلد. إنها مقاربة ذكية تجعل العناية بالبشرة أكثر دقة وفعالية من أي وقت مضى.
متى تبدأ البشرة بالتحوّل؟
بحسب البروفيسور ليونيتي، قد تلاحظ بعض السيدات تحسناً أولياً في البشرة خلال أسابيع قليلة بعد تحسين صحة الأمعاء، إلا أن النتائج العميقة والمستدامة تحتاج عادة إلى شهرين أو ثلاثة أشهر. فدورة تجدد خلايا البشرة تستغرق ما بين 28 و40 يوماً، كما أن إعادة توازن الميكروبيوم المعوي وخفض الالتهاب يتطلبان وقتاً وانتظاماً.
ورغم أن بعض التغيرات قد تكون سريعة، إلا أن الاستمرارية في نمط الحياة والتغذية تبقى العامل الحاسم للحصول على بشرة صحية ومتوهجة على المدى الطويل.
البروبيوتيك ليس الحل السحري
يختتم البروفيسور حديثه بتصحيح واحدة من أكثر الخرافات شيوعاً في عالم الجمال، وهي الاعتقاد بأن البروبيوتيك وحده كافٍ لصحة الأمعاء وجمال البشرة. فصحيح أن البروبيوتيك — سواء من الأطعمة أو المكملات — يلعب دوراً مهماً في دعم توازن البكتيريا النافعة، لكنه لا يعمل بمعزل عن بقية العوامل والتي تتلخص في إتباع نمط حياة صحي. فالبروبيوتيك عنصر داعم، لكنه ليس “العصا السحرية”. فالجمال الحقيقي، هو نتيجة انسجام كامل بين ما نأكله، كيف نعيش، وكيف نعتني بأنفسنا من الداخل قبل الخارج.




