حين تتحول الطفولة إلى رحلة هروب: العالم كما يراه طفل روهينغي في “الأرض الضائعة”

يقدّم فيلم «الأرض الضائعة» رؤية سينمائية عميقة لمأساة الروهينغا، بعيداً عن الخطاب المباشر، معتمداً على تجربة إنسانية قاسية لطفلين في رحلة هروب بلا خلاص.

فريق التحرير
فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

يروي فيلم "الأرض الضائعة" قصة طفلين من الروهينغا يهربان من أرض مجهولة، ويركز على تجربة النزوح والهوية المنكسرة. يتجنب الفيلم الخطابية، ويعتمد على جمالية بصرية تعكس حالة عدم الاستقرار والخوف، ويسلط الضوء على فقدان اللغة والحقوق، مُظهِرًا ضعف الأطفال واستغلالهم، ومختتمًا بنهاية مفتوحة حول مصير اللاجئين.

النقاط الأساسية

  • يروي فيلم "الأرض الضائعة" رحلة طفلين من الروهينغا يهربان من أرض مجهولة.
  • يركز الفيلم على تجربة حسية للطفولة المسلوبة، مع إبراز فقدان الهوية.
  • يتجنب الفيلم الخطابية، ويعرض معاناة الروهينغا بلغتهم الخاصة، ويسائل العالم.

منذ اللحظة التي ظهر فيها فيلم “الأرض الضائعة” للمخرج الياباني أكيو فوجيموتو في عروض مهرجان البحر الأحمر وحتى تتويجه بجائزة “اليسر الذهبي”، كان واضحاً أن هذا العمل لا ينتمي إلى فئة الأفلام التي تُشاهد لتُنسى، ولا إلى تلك التي تُقدَّم بوصفها معالجات جاهزة لقضية سياسية أو إنسانية.

بدا الفيلم وكأنه ينحدر من منطقة أكثر توتراً وعمقاً، منطقة السينما التي تُصنع في قلب المأساة، لا على هامشها، والتي تجعل من الصورة ليس مجرد وسيلة لرواية الحدث، بل فضاءً لإعادة التفكير في معنى الوجود نفسه حين يفقد الإنسان كل ما يربطه بالعالم.

يبدأ الفيلم بحضور طفولي شديد الهشاشة. طفلة في التاسعة من عمرها وأخيها الذي لم يتجاوز الرابعة، ينطلقان في رحلة هاربة من أرض لا تُذكر أسباب مغادرتها، ولا يُشار إلى القمع الذي يسكن خلف المشهد، كأن المخرج يتعمّد تجريد الفكرة من خطابيتها.

يرفض الفيلم التفسير لأنه يدرك أن ما حدث للروهينغا أكبر من أن يُختزل في جملة، وأن المأساة فقدت منذ زمن طويل حقّها في الشرح، وبدلاً من ذلك، يمنحنا فوجيموتو تجربة تكاد تكون حسية، يضعنا خلالها في موقع المتلقي الذي يراقب طفولة تُسلب منها القدرة على الفهم قبل أن تُسلب منها القدرة على النجاة.

تتقدم الرحلة بلا خلفية درامية مفصلة، بلا سياق، بلا ما اعتادت عليه السينما من محفزات شخصية أو دوافع واضحة، لا يعرف المشاهد لماذا يغادر الطفلان، ولا كيف عاشا، ولا ما الذي ينتظرانه.

هذا الغياب المتعمّد هو أحد أعمدة الفيلم، إنه محاولة لتمثيل تلك الهوية المنكسرة التي تُقتلع من جذورها حتى يصبح تاريخها نفسه ضبابياً، الروهينغا، كما يصوّرهم العمل، ليسوا أصحاب قصص مكتملة، بل أشخاص يخرجون من التاريخ إلى الفراغ، ومن الأرض إلى البحر، من دون أن يستعيدوا القدرة على تسمية ما يمرون به.

Advertisement

يعتمد الفيلم على تقسيمات زمنية بسيطة، “اليوم الأول، اليوم الخامس، اليوم الثاني عشر”، بخط يشبه كتابة طفل، هذه الطريقة ليست تزويقاً بصرياً، بل اعتراف بأن الزمن يفقد معناه في حياة اللاجئين، الأيام لا تتتابع بقدر ما تتكرر، والانتقال من مكان إلى آخر لا يرتبط بانتصار أو تقدّم، بل بتجربة بقاء جديدة. الزمن في الفيلم ليس خطاً، بل عبء، وكل يوم جديد يأتي بتهديد أكبر من اليوم السابق.

يبرز هنا دور الصورة بوصفها حاملاً فلسفياً للتجربة، الإضاءة المعتمة، الحركة غير المستقرة للكاميرا، الضباب، الظلال، المشاهد الليلية التي تُظهر العالم كما يراه طفل خائف لا يستطيع التمييز بين الأشياء، كل ذلك يخلق شعوراً بأنه لا وجود لإحداثيات ثابتة، لا أمان بصري، ولا مركز يمكن الارتكاز عليه، العالم نفسه يبدو في حالة اختلال دائم، والمكان يتحول إلى متاهة لا نهاية لها. هذه الجمالية ليست مجرد اختيار فني، بل امتداد نفسي للرحلة، فالمكان في حياة النازح ليس جغرافيا، بل تهديداً.

يتجنب فوجيموتو الوقوع في فخ التقارير المصورة أو النبرة التعليمية التي تشرح “القضية الروهينغية”، لا وجود في الفيلم لأي لحظة خطابية. كل شيء يُقال عبر التصرفات الصغيرة، رعشة يد سميرة، طريقة حملها لأخيها، خوفها من فقدانه، نظراتها التي تتحول شيئاً فشيئاً إلى نوع من النضج القسري.

الطفلان لا يتكلمان كثيراً، والكبار حولهما يقولون جمل قصيرة، متقطعة، كأن اللغة نفسها مهددة بالانقراض، هذا الصمت المتكرر هو جوهر الفيلم؛ إنه يعكس مجتمعاً كاملاً فقد حقه في التعبير، حتى جاءت السينما لتمنحه هذا الحق للمرة الأولى بلغته الخاصة، باللغة الروهينغية التي لم تظهر من قبل في فيلم روائي طويل.

لا يقدم الفيلم بطولة ولا يحتفل بالقدرة على التحمل، على العكس، يحرص على إظهار الضعف الكامل للطفلين، هشاشتهما، واعتمادهما شبه المطلق على رحمة الغرباء الذين يقودون الرحلة، في تايلاند، يدخلان في دائرة مروعة من الاستغلال، حيث يتحول الإنسان إلى “شحنة” داخل قفص.

لا يحتاج المخرج إلى إظهار العنف مباشرة، فمجرد وضع الأجساد في مكان لا يُسمّى سجناً ولا بيتاً ولا مخيماً كافٍ لكشف البشاعة، هذه اللقطة تحديداً تكثّف السؤال الأخلاقي الأكبر الذي يطرحه الفيلم، كيف يصبح الإنسان سلعة؟ وكيف يمكن للطفولة أن تستمر حين تتحول إلى رقم في شبكة تهريب؟

Advertisement

رغم هذا الظلام، هناك إشارات صغيرة إلى ما تبقى من الروح. لحظات سريعة من الصلاة، حركات تقليد الأب في السجود، طريقة التمسك بالدعاء حتى في أشد لحظات الفقد. ليست هذه المشاهد محاولة لإدخال بعد ديني بقدر ما هي تذكير بأن الناس حين يفقدون كل شيء، يتمسكون بما بقي من عالمهم الداخلي. في تلك اللحظات، يكشف الفيلم أن النجاة ليست بيولوجية فقط، بل روحية أيضاً، وأن الروهينغا ليسوا مجرد لاجئين، بل جماعة تمتلك ثقافتها وعقيدتها وذاكرتها، حتى وإن حاول العالم محو كل ذلك.

عند الوصول إلى المشهد الأخير، لا يمنح الفيلم أي خلاص. لا يوجد احتفال بالوصول، ولا عناق، ولا وعد بحياة أفضل. كل ما يبقى هو سؤال كبير معلّق، هل انتهت الرحلة أم أنها مجرد توقف مؤقت؟ يبدو الفيلم وكأنه يدرك أن نهاية الرحلة الحقيقية ليست الوصول إلى ماليزيا، بل الوصول إلى اعتراف عالمي بأن مأساة الروهينغا ليست خبراً عابراً في نشرات الأخبار، بل جرحاً مفتوحاً لم يجد بعد من يعالجه.

حين منحته لجنة التحكيم جائزة “اليسر الذهبي”، بدا القرار وكأنه اعتراف بقيمة هذا النوع من السينما التي تنقّب في مناطق الألم دون أن تستغله، وتقدم المهمّشين دون أن تتحدث نيابة عنهم، وتمنح صوتاً لجماعة جرى إسكاتها طويلاً. الفيلم لا يفرض رسالته، ولا يطالب بالشفقة، بل يدفع المتلقي إلى مواجهة ذاته، وإعادة التفكير في معنى العالم الحديث الذي ينتج موجات لجوء لا تتوقف، ثم يتساءل بلا خجل عن كيفية استمرار الضمير الإنساني في تجاهلها.

“الأرض الضائعة” ليس فيلماً عن الروهينغا فقط. إنه فيلم عن العالم، عن الأطفال الذين يفتحون أعينهم على واقع لا يفهمونه، وعن الخوف الذي يصبح هوية، وعن الرحلة التي لا يعرف أحد أين تنتهي. هو تذكير بأن السينما ليست مجرد وسيلة لرواية القصص، بل فضاء لمساءلة الوجود، وأن هناك أحياناً صوراً لا تُنسى لأنها لا تنتمي إلى الخيال، بل إلى الحياة بكل قسوتها.