في مقابلة حصرية مع منصة “لنا”، قالت علياء المزروعي، مديرة برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار بالمركز الوطني للأرصاد، إن المركز “يختبر مجموعة من التقنيات المتقدمة” لتعزيز هطول الأمطار في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأوضحت أن البرنامج يمثل تحولاً كبيراً عن الطرق التقليدية لتلقيح السحب، التي كانت تعتمد حصراً على الطائرات المأهولة لنشر مواد البذر، بينما أصبحت العمليات اليوم أكثر أتمتةً واعتماداً على البيانات والذكاء الاصطناعي.
تلقيح السحب
أشارت المزروعي إلى أن المنظومة الجديدة تشمل مواد بذر قائمة على تقنية النانو مثل NaCl‑TiO₂ (CSNT)، وأنظمة طائرات بدون طيار ذاتية التشغيل للبذر الدقيق والقياسات الجوية. كما يجري اختبار أجهزة عرض ليزر محمولة عالية الطاقة ضمن تجارب ميدانية تهدف إلى تعزيز هطول الأمطار، إلى جانب نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة للتنبؤ بالسحب واستهدافها في الأوقات والمواقع المثلى.
وبينت أن هذه التقنيات تمثل نقلة من الاعتماد التقليدي على الطائرات المأهولة إلى بيئة تشغيلية أكثر مرونة واستهدافاً، حيث تمكّن الطائرات بدون طيار من تنفيذ عمليات بذر دقيقة في طبقات محددة من السحب، في حين تساعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تقييم الظروف الجوية في الزمن الحقيقي واختيار السحب الأكثر ملاءمة للتلقيح.
كيف يعمل الاستمطار السحابي؟
شرحت المزروعي أن الاستمطار السحابي هو تقنية لتعديل الطقس تهدف إلى زيادة هطول الأمطار عبر نشر مواد تعمل كنوى تكاثف أو نوى جليدية داخل السحب، ما يغيّر العمليات الفيزيائية الدقيقة داخلها. وتشمل المواد الشائعة يوديد الفضة، وكلوريد البوتاسيوم، والثلج الجاف، إضافة إلى مواد نانوية مطوّرة، حيث توفّر جميعها أسطحاً لتكثف جزيئات الماء عليها، ما يعزز نمو القطرات حتى تصل إلى أحجام تؤدي إلى هطول الأمطار أو الثلوج.
وأضافت أن البرنامج يستخدم تجارب عشوائية إحصائية للتحقق من فعالية عمليات البذر، إذ جرى جمع بيانات من أكثر من 150 حالة جوية نُفذت خلالها عمليات استمطار. ومن خلال تحليل صور الرادار، يتمكن الباحثون من قياس الزيادة الفعلية في الهطول بعد عمليات التلقيح، حيث سجّل الفريق زيادات تراوحت بين 10 و15% في ظروف جوية عكرة، وارتفعت إلى نحو 25% في أجواء أنظف وأكثر ملاءمة.
دور الذكاء الاصطناعي والرادار والأقمار الصناعية
أكدت المزروعي أن النهج الحالي يجمع بين الطائرات بدون طيار ذاتية القيادة والنماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز دقة وكفاءة مهام تلقيح السحب. فالطائرات المسيّرة تتيح عمليات “أكثر استهدافاً ومرونة”، بينما توفّر النماذج القائمة على الذكاء الاصطناعي تحديداً آنياً للسحب الركامية ذات التيارات الصاعدة القوية في قاعدتها، بالاستناد إلى بيانات الرادار والأقمار الصناعية ونماذج التنبؤ العددي.
وتتم عملية الاستمطار عملياً عبر تحليل يومي مفصّل للطقس، ثم تخطيط مسار الطلعات الجوية، ومراقبة مستمرة من قبل فريق متخصص في المركز الوطني للأرصاد، ينسق حركة الطائرات المجهزة بمواد البذر لتنفيذ العمليات بدقة عند رصد ظروف سحابية مناسبة. وبعد انتهاء المهمات، يجري تقييم التأثيرات المحتملة لمواد البذر على النظم البيئية، ووزن المخاطر والفوائد المرتبطة بالتدخلات المناخية ضمن الأطر القانونية والتنظيمية السارية.
ركيزة في استراتيجية الأمن المائي
أوضحت المزروعي أن برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار يشكل عنصراً رئيسياً في استراتيجية الأمن المائي للدولة، في منطقة يقل فيها متوسط هطول الأمطار السنوي عن 100 مليمتر، وتتميز بمعدلات تبخر عالية، مع بقاء إعادة تغذية المياه الجوفية أقل بكثير من مستويات الاستهلاك. ويسهم البرنامج، بالتكامل مع مشاريع أخرى للطاقة والمياه، في تنويع مصادر المياه وتقليل الاعتماد على الحلول التقليدية مثل تحلية مياه البحر وحدها، بما يضمن استدامة الموارد المائية على المدى الطويل.
كما تستند مشاريع البنية التحتية، مثل شبكة تصريف مياه الأمطار “تصريف” في دبي ومواقع أخرى، إلى بيانات مناخية تاريخية جمعت على مدى نحو 20 عاماً، تشمل سرعات الرياح واتجاهاتها، وأنماط هطول الأمطار ومخاطر الفيضانات. وتساعد هذه السجلات في تصميم شبكات تصريف فعّالة وتخطيط حضري قادر على مواكبة تغير المناخ واتجاهات الطقس المتطرفة.
تعاون عالمي واسع النطاق
بيّنت المزروعي أن برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار والمركز الوطني للأرصاد يتعاونان مع أكثر من 1800 باحث من أكثر من 800 مؤسسة في 76 دولة. وتشمل قائمة الشركاء المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، والمركز الوطني الأمريكي لأبحاث الغلاف الجوي، والأكاديمية الروسية للعلوم، والأكاديمية الصينية للعلوم، وجامعة خليفة، وجامعة نيويورك أبوظبي، وجامعة ييل، ومعهد الابتكار التكنولوجي.
ومن بين الجهات المتعاونة الأخرى وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، والمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية “سيرن”، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومعهد كارلسروه للتكنولوجيا، وشركة “فايسالا” المتخصصة في حلول القياس البيئي. وتشمل هذه الشراكات مشاريع بحثية مشتركة، وتطوير تقنيات جديدة، وحملات ميدانية، وتبادلًا للخبرات من أجل تعزيز علوم تعزيز هطول الأمطار في المناطق القاحلة وشبه القاحلة.
تحديات تقنية وتنظيمية وبيئية
رغم التقدم الملحوظ، تعترف المزروعي بوجود تحديات متبقية في ضمان موثوقية وامتثال منصات الطائرات بدون طيار المستقلة، إلى جانب صعوبة دمج الاستشعار الجوي الآني مع أدوات اتخاذ القرار المؤتمتة. وتشمل التحديات الأخرى تطوير بروتوكولات اتصال فعّالة تنسق بين أسطول من الطائرات المسيّرة، وتوسيع نطاق إنتاج مواد البذر المتطورة، وتكييف النماذج العددية المعقدة مع الخصائص المناخية الفريدة للإمارات.
وشددت على أن البرنامج يعطي أولوية لاستخدام مواد صديقة للبيئة، وإجراء اختبارات ميدانية ومخبرية صارمة، والتعاون مع الجهات التنظيمية لضمان عمليات مسؤولة وشفافة. كما يجري تقييم مستمر لتأثيرات مواد البذر على النظم البيئية، ومراقبة مدى قبول المجتمع للتدخلات المناخية، بما يضمن اتساق البرنامج مع المعايير الدولية لأخلاقيات أبحاث تعديل الطقس.
خطط تسريع وتوسّع خلال العقد المقبل
وحول الرؤية المستقبلية، أوضحت المزروعي أن المركز الوطني للأرصاد يعتزم خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة “تسريع” نشر تقنيات تعزيز هطول الأمطار وتعزيز دوره القيادي العلمي في هذا المجال. وستُولى عناية خاصة لتوسيع استخدام التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، والمركبات الجوية غير المأهولة، وتكنولوجيا النانو، والأنظمة المعتمدة على الليزر، بهدف رفع الدقة والفعالية والكفاءة التشغيلية.
وتشمل الأهداف الرئيسة تسويق مواد البذر المطوَّرة محلياً، وتوسيع تشغيل منصات الطائرات بدون طيار المستقلة على نطاق أوسع، وتعميق الشراكات الدولية البحثية والتقنية. وفي الوقت ذاته، يقر البرنامج بوجود مخاطر مرتبطة بعدم اليقين الفني، والتحديات التنظيمية، والحاجة إلى تقييم متواصل للتأثيرات البيئية ومستوى القبول المجتمعي، بما يضمن أن تبقى جهود تعزيز الهطول جزءاً من استراتيجية شاملة ومستدامة للأمن المائي في دولة الإمارات.




