رغم احتفاظ البيتكوين بمكانتها كأكبر عملة مشفرة في العالم، فإن تحركاتها خلال الأشهر الأخيرة عكست تغيراً واضحاً في طبيعة العوامل التي تقود أسعارها. فبعد سنوات كان فيها تبني المؤسسات، وتطورات قطاع الأصول الرقمية، وأخبار التعدين والمحافظ الإلكترونية هي المحرك الرئيسي للسوق، باتت السياسة النقدية الأمريكية، وأسعار الفائدة، والتضخم، والسيولة العالمية، تلعب الدور الأكبر في رسم مسار العملة المشفرة.
وتزامن ذلك مع تراجع البيتكوين بشكل ملحوظ عن أعلى مستوياتها التاريخية، ما أثار تساؤلات جديدة بشأن قدرتها على استعادة زخمها السابق، ومدى استمرار اعتبارها “ذهباً رقمياً” أو أداة للتحوط ضد التضخم، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية وتغير شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وفي الوقت نفسه، يواصل الذكاء الاصطناعي فرض نفسه كأحد أبرز التطورات التقنية المؤثرة في الأسواق المالية، الأمر الذي فتح باباً واسعاً للنقاش حول دوره المحتمل في مستقبل العملات المشفرة، سواء من خلال تعزيز كفاءة البنية التحتية للتداول وسلسلة الكتل، أو عبر المخاطر الأمنية الجديدة التي قد يفرضها على هذا القطاع.
وفي مقابلات خاصة مع منصة لنا، استعرض كل من جوشوا أوين، الرئيس التنفيذي لشركة لونارو للخدمات المالية في المملكة المتحدة، وفيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في سنشري فاينانشال، أبرز العوامل التي تحرك أسعار البيتكوين، ورؤيتهما لمستقبل أكبر عملة رقمية في العالم، إضافة إلى تأثير التضخم والذكاء الاصطناعي والسياسة النقدية على السوق.
ما الذي يحرك أسعار البيتكوين؟
قال جوشوا أوين إن الآراء لا تزال منقسمة حول المحرك الأساسي لأسعار البيتكوين، إذ يرى مؤيدو العملات المشفرة أن تراجع الأسعار في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة يعكس تحول البيتكوين إلى أصل استثماري حقيقي تحركه عوامل الاقتصاد الكلي. في المقابل، يعتبر آخرون أن تشديد السياسة النقدية أدى إلى تراجع سيولة المستثمرين الأفراد، الأمر الذي تسبب في انفجار تدريجي للفقاعة السعرية بعدما خسرت العملة نحو 50% من أعلى مستوياتها التاريخية.
وأضاف أن البيتكوين، شأنها شأن معظم فئات الأصول، أصبحت تتحرك بصورة متزايدة وفق توقعات التضخم وأسعار الفائدة، مشيراً إلى أن السوق لا يزال يترقب كيفية أداء العملة خلال دورة تيسير السياسة النقدية المقبلة، لمعرفة ما إذا كانت ستستعيد مكانتها كاستثمار بديل.
أما فيجاي فاليشا، فأوضح أن البيتكوين تراجعت بنسبة 0.5% إلى نحو 58 ألف دولار بعد تراجع ثقة المستثمرين في خطة إعادة هيكلة التمويل التي أعلنتها شركة “ستراتيجي إنك”، وهو ما أثار مخاوف من أن أحد أكبر المشترين المؤسسيين للعملة قد لا يبقى مصدراً مستداماً للطلب.
وأضاف أن إعلان الشركة احتمال بيع ما يصل إلى 1.25 مليار دولار من حيازاتها من البيتكوين لتعزيز احتياطياتها النقدية غيّر نظرة المستثمرين، إذ لم يعد جمع رأس المال يعني بالضرورة شراء المزيد من البيتكوين، بل أصبح ينافس استخدامات أخرى مثل الحفاظ على السيولة وإعادة شراء الأوراق المالية وتعزيز الميزانية العمومية.
وأشار إلى أن السياسة النقدية أصبحت العامل الأكثر تأثيراً مقارنة بالتطورات الداخلية لسوق العملات المشفرة، موضحاً أن العملات الرقمية استفادت تاريخياً من خفض أسعار الفائدة، في حين أن توقعات تشديد السياسة النقدية دفعت المستثمرين إلى سحب أكثر من 4 مليارات دولار من صناديق الاستثمار المتداولة للبيتكوين خلال يونيو، وهو أعلى معدل منذ إطلاقها قبل عامين.
هل يستطيع البيتكوين استعادة قممه التاريخية؟
يرى جوشوا أوين أن تراجع البيتكوين من مستوى 125 ألف دولار إلى نحو 60 ألف دولار تزامن مع ارتفاع توقعات التضخم، مشيراً إلى أن المستثمرين يراقبون ما إذا كانت الأسعار ستغير سلوكها مع عودة البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة.
وأضاف أن البيتكوين أُنشئت أساساً كأداة للتحوط ضد النظام المالي المركزي ومخاطر تآكل القوة الشرائية الناتجة عن طباعة النقود، إلا أن ترسخها كأصل استثماري يجعل السيولة قد تتجه أيضاً نحو أصول أخرى لا تدر عائداً، وعلى رأسها الذهب.
وأوضح أن بعض المستثمرين يعتبرون البيتكوين “ذهباً رقمياً”، إلا أن المنافسة مع المعدن الأصفر داخل المحافظ الاستثمارية لا تزال قائمة. ولفت إلى أن إحدى نقاط القوة المحتملة للبيتكوين تتمثل في انخفاض فرص المراجحة السعرية مقارنة بالذهب، نظراً لغياب تعقيدات النقل والشحن التي تؤثر في الأسواق المادية، مؤكداً أن العودة إلى المستويات القياسية السابقة تتطلب دورة واضحة من التيسير النقدي مع تفوق البيتكوين على الذهب في جذب الاستثمارات.
من جانبه، قال فيجاي فاليشا إن البيتكوين فقدت نحو 54% من أعلى مستوى تاريخي سجلته فوق 126 ألف دولار، موضحاً أن استعادة تلك القمة تتطلب ارتفاعاً بنحو 115% من مستوياتها الحالية، وهو ما يحتاج إلى محفزات قوية لإطلاق موجة شراء واسعة، وهو أمر يبدو مستبعداً في الوقت الراهن.
وأضاف أن العملة فقدت جميع المكاسب التي حققتها بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، كما هبطت دون المستويات التي سجلتها عقب انتخابه، فضلاً عن أن الصورة الفنية أصبحت أكثر ضعفاً بعد كسر مستويات دعم رئيسية.
وأشار أيضاً إلى أن إعلان شركة “ستراتيجي” احتمال بيع نحو 1.25 مليار دولار من البيتكوين، بما يعادل نحو 21 ألف بيتكوين، قد يزيد من الضغوط البيعية، إضافة إلى تسجيل صناديق الاستثمار المتداولة تدفقات خارجة تجاوزت 5.1 مليار دولار منذ بداية العام، وهو ما يجعل استعادة القمم التاريخية أمراً صعباً في المدى القريب، رغم إمكانية تغير الصورة على المدى الطويل إذا تبدلت العوامل الأساسية.
كيف يؤثر التضخم العالمي على مستقبل البيتكوين؟
قال جوشوا أوين إن الأشهر الأخيرة أظهرت تراجعاً حاداً في أسعار البيتكوين بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم، معرباً عن اعتقاده بأن هذا السلوك قد ينعكس عندما يبدأ التضخم وأسعار الفائدة في الانخفاض. وأضاف أن البيتكوين صُممت في الأصل كوسيلة للتحوط ضد السياسات النقدية المركزية، ولذلك سيراقب المحللون عن كثب ما إذا كانت الأسعار ستتعافى خلال دورة خفض أسعار الفائدة، محذراً من أن استمرار الأداء الضعيف رغم تيسير السياسة النقدية قد يثير تساؤلات حول القيمة المستقبلية للعملة نفسها.
أما فيجاي فاليشا، فأوضح أن مستقبل البيتكوين لا يعتمد على التضخم وحده، بل يتأثر أيضاً بأسعار الفائدة الحقيقية، والسياسة النقدية، ومستويات السيولة في الأسواق. وأشار إلى أن استمرار التضخم إذا ترافق مع سياسة نقدية متشددة وعائدات حقيقية مرتفعة سيشكل رياحاً معاكسة للعملة، مستشهداً بتراجعها بنحو 60% مع بداية دورة رفع أسعار الفائدة في مارس 2022.
وأضاف أن خفض أسعار الفائدة عادة ما يدعم البيتكوين عندما يكون نتيجة لانحسار التضخم وتحسن الأوضاع المالية، وليس بسبب أزمة اقتصادية، لافتاً إلى أن العملة تضاعف سعرها تقريباً خلال العام الذي أعقب إنهاء الاحتياطي الفيدرالي دورة رفع الفائدة في سبتمبر 2024.
وأكد أن متابعة تطورات التضخم العالمي أصبحت ضرورية، لأن استمرار ارتفاعه بما يدفع إلى مزيد من التشديد النقدي سيؤثر سلباً على البيتكوين، بينما قد يوفر استقرار التضخم وانخفاض الفائدة دعماً للعملة. كما أشار إلى أن دور البيتكوين كمخزن للقيمة قد يتعزز إذا تراجعت الثقة في العملات الورقية أو النظام النقدي التقليدي، بفضل معروضها المحدود وطبيعتها اللامركزية.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل العملات المشفرة
قال جوشوا أوين إن تأثير الذكاء الاصطناعي على العملات المشفرة يمكن النظر إليه من زاويتين مختلفتين؛ فمن جهة قد يؤدي التطور الكبير في القدرات الحاسوبية إلى تقليص أوقات التعدين، بما يثير تساؤلات حول قيمة الكتل المتبقية. ومن جهة أخرى، قد يسهم الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي في زيادة التهديدات التي تواجه الأنظمة المصرفية، وهو ما قد يعزز الحاجة إلى البيتكوين كوسيلة للتحوط ضد الأنظمة المالية المركزية.
وأضاف أن المستثمرين يدرسون أيضاً المخاطر الأمنية المحتملة التي قد تشكلها نماذج الذكاء الاصطناعي على محافظ البيتكوين، إلى جانب التساؤل حول ما إذا كان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سيحل محل الاستثمار في العملات المشفرة أو يسرع وتيرة تراجعها.
من جانبه، رأى فيجاي فاليشا أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة تمكين مهمة لمنظومة العملات المشفرة، وليس محركاً مباشراً للقيمة طويلة الأجل للبيتكوين. وأوضح أن أبرز الفرص تتمثل في تعزيز الأمن، وتحسين كفاءة التداول، وتحليلات سلسلة الكتل، وإدارة المخاطر، وأتمتة الامتثال، بما قد يدعم ثقة المؤسسات ويزيد من تبني الأصول الرقمية.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن أن يسهم أيضاً في تطوير عمليات الاحتيال والتزييف العميق والجرائم المالية إذا لم تواكبها أطر تنظيمية مناسبة.
وأضاف أن التقارب بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوكشين قد يسرع الابتكار في مجالات تدقيق العقود الذكية، وكشف الاحتيال، والتمويل اللامركزي، وترميز الأصول الحقيقية، إلا أن البيتكوين ستظل مدفوعة في المقام الأول بعوامل الاقتصاد الكلي، مثل السياسة النقدية، والسيولة، وتدفقات رؤوس الأموال المؤسسية، وليس بتطورات الذكاء الاصطناعي وحدها.
نصائح للمستثمرين الجدد
أكد جوشوا أوين أن أي شخص يرغب في دخول سوق البيتكوين يجب أن يقيّم أولاً مدى ملاءمة هذا الأصل لمحفظته الاستثمارية، بما يتوافق مع رؤيته للاقتصاد الكلي وأهدافه المالية. وأضاف أن الذهب وغيره من الأصول التقليدية أظهروا سلوكاً مشابهاً خلال دورة رفع أسعار الفائدة الأخيرة، لذلك قد يكون الاستثمار في أصول أكثر استقراراً خياراً مناسباً لمن يبحث عن استثمارات طويلة الأجل، في حين تظل البيتكوين خياراً للمؤمنين بفكرتها وجدواها إذا دعمتها الظروف الاقتصادية والجيوسياسية.
أما فيجاي فاليشا، فنصح المستثمرين الجدد بالتعامل مع البيتكوين كاستثمار طويل الأجل، وليس كوسيلة لتحقيق أرباح سريعة، نظراً للتقلبات الحادة التي تشهدها العملة. وأوصى بالبدء بمبالغ صغيرة واعتماد استراتيجية “متوسط تكلفة الدولار” عبر استثمار مبالغ ثابتة على فترات منتظمة، بدلاً من محاولة اختيار التوقيت المثالي للسوق.
كما شدد على أهمية فهم طبيعة البيتكوين ومخاطرها قبل الاستثمار، واستخدام منصات تداول معروفة وخاضعة للرقابة، مع تفعيل وسائل الحماية مثل المصادقة الثنائية، ونقل الحيازات الكبيرة إلى محافظ شخصية آمنة عند الحاجة.
واختتم بالتأكيد على ضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية، موضحاً أن البيتكوين يمكن أن تشكل جزءاً من استراتيجية استثمارية طويلة الأجل، لكنها لا ينبغي أن تكون الاستثمار الوحيد، لأن النهج المنضبط والصبور يبقى الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة مقارنة بالسعي وراء المكاسب السريعة.




