أدانت المحكمة الجنائية الدولية اليوم الاثنين علي محمد علي عبد الرحمن المعروف باسم “علي كوشيب” بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور السوداني، ليصبح بذلك أول قائد فصيل مسلح يحاكم ويدان أمام هذه المحكمة على جرائم ارتكبت في هذا الإقليم قبل أكثر من عشرين عاماً، بحسب رويترز.
وأصدرت الدائرة الابتدائية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي قرارها بإدانة كوشيب بارتكاب 31 تهمة تتعلق بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها الاغتصاب والقتل والاضطهاد والتعذيب والنقل القسري والنهب.
وأشارت المحكمة إلى أن العقوبة ستُحدد لاحقاً بعد جولة جديدة من جلسات الاستماع.
خلفية النزاع في دارفور
اندلعت الحرب في دارفور عام 2003 عندما حملت حركتا “جيش تحرير السودان” و”العدل والمساواة” السلاح ضد حكومة الرئيس عمر البشير، متهمتين إياها بتهميش الإقليم واضطهاد السودانيين لأسباب عرقية.
وردت الحكومة السودانية بحملة دموية شملت قصفاً جوياً وهجمات برية من قبل ميليشيات الجنجويد التي كانت تهاجم في الفجر على ظهور الخيل والإبل.
وقد أسفر النزاع عن مقتل ما يصل إلى 300 ألف شخص وتشريد 2.7 مليون آخرين من منازلهم في دارفور على مدى السنوات، وقد وصف المجتمع الدولي هذه الأعمال بأنها ترقى إلى جرائم إبادة جماعية.
من هو علي كوشيب
وُلد علي محمد علي عبد الرحمن المعروف باسم “علي كوشيب” عام 1957 تقريباً في منطقة وادي صالح بغرب دارفور، وكان والده من قبيلة التعايشة بينما كانت والدته من قبيلة الدنغوني.
ويُعتبر كوشيب أحد أبرز قادة ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة في منطقة وادي صالح، وشغل مناصب قيادية في قوات الدفاع الشعبي وشرطة الاحتياطي المركزي.
عمل كوشيب كحلقة وصل بين الحكومة السودانية وميليشيات الجنجويد، حيث قام بتجنيد المحاربين وتسليحهم وتمويلهم وتأمين المؤن والذخائر للميليشيات تحت قيادته.
كما شارك شخصياً في الهجمات ضد المدنيين في بلدات كودوم وبنديسي ومكجر وأروالا بين أغسطس 2003 ومارس 2004.
الجرائم المثبتة ضد علي كوشيب
وبحسب المحكمة فقد ثبت أن كوشيب شارك في هجمات واسعة النطاق استهدفت مدنيين من جماعات الفور والمساليت والزغاوة العرقية.
واستمعت المحكمة خلال المحاكمة التي افتتحت في أبريل 2022 إلى شهادات 74 شاهداً، منهم 56 من جانب الادعاء و17 من الدفاع وشاهد واحد من الضحايا.
ووصف الشهود أعمال عنف مروعة واستخدام الاغتصاب كسلاح لترهيب وإذلال النساء، حيث روى أحد الشهود أن كوشيب قال لمقاتليه أثناء إحدى المذابح: “كرروا، كرروا على هؤلاء الناس. ربما يكون هناك بعض الذين فاتكم”. وفي إحدى الهجمات قُتل 150 شخصاً بينهم 30 طفلاً في غضون 90 دقيقة فقط.
تسليم كوشيب لنفسه للجنائية الدولية
وفي تطور مفاجئ، سلم كوشيب نفسه طوعياً للمحكمة الجنائية الدولية في يونيو 2020 بعد وصوله إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، وكان قد اختفى عن الأنظار لفترة طويلة بعد إصدار مذكرة اعتقال بحقه في أبريل 2007.
لكن في تطور درامي خلال المحاكمة، فاجأ كوشيب القضاة في ديسمبر 2024 بقوله: “أنتم تحاكمون الشخص الخطأ.. أنا لست علي كوشيب ولا أعرف شخصاً بهذا الاسم. سلمت نفسي للمحكمة عام 2020 لتبرئة نفسي من التهم”.
إلا أن محاميي الدفاع دافعوا عنه بحجة أنه “لا أحد” وليس له علاقة بنزاع دارفور، بينما أصر الادعاء على أن الأدلة أثبتت هويته وجرائمه بما لا يدع مجالاً للشك.
أهمية الحكم التاريخي ضد كوشيب
يُعتبر هذا الحكم علامة فارقة في تاريخ العدالة الجنائية الدولية، كونه أول محاكمة تنظرها المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب بدارفور منذ إحالة القضية إليها من قبل مجلس الأمن الدولي عام 2005. كما أنه يمثل اختباراً حقيقياً لعدالة المحكمة الدولية في ملف ظل معلقاً منذ عقدين.
ولا تزال هناك مذكرات اعتقال معلقة ضد مسؤولين سودانيين آخرين بتهم الإبادة الجماعية، بينهم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين والقيادي أحمد هارون. ويُتوقع أن يفتح هذا الحكم الباب أمام تسريع مسار تسليم بقية المطلوبين للمحكمة.




