حقق الغواص الحر الكرواتي فيتومير ماريتيتش (Vitomir Maričić) إنجازاً استثنائياً دخل به موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بعد أن تمكن من حبس أنفاسه تحت الماء لمدة 29 دقيقة و3 ثوانٍ، محطماً الرقم القياسي السابق بفارق كبير يبلغ حوالي 5 دقائق كاملة. هذا الإنجاز الذي تم في مسبح بعمق 3 أمتار في فندق بريستول بمدينة أوباتيا الكرواتية، يُعد واحداً من أكثر الأرقام إثارة للإعجاب في تاريخ الغوص الحر.
تفوق أداء ماريتيتش على قدرات دولفين قاروري الأنف الذي يستطيع حبس النفس لمدة 8-10 دقائق فقط، واقترب من قدرات فقمة الميناء التي تُعتبر من أمهر الثدييات البحرية في حبس النفس. يُذكر أن الشخص العادي لا يستطيع حبس نفسه لأكثر من 30-90 ثانية، بينما الرقم القياسي العالمي لحبس النفس دون مساعدة يبلغ 11 دقيقة و35 ثانية ويحتفظ به الصربي برانكو بيتروفيتش منذ عام 2014.
السر العلمي وراء الإنجاز: تقنية الأكسجين النقي
لم يكن هذا الإنجاز مجرد مصادفة أو موهبة فطرية، بل اعتمد على تقنية علمية متقدمة تُعرف بـ”نزع النيتروجين” (Denitrogenation). قبل الغوص، تنفس ماريتيتش أكسجيناً نقياً بنسبة 100% لمدة 10 دقائق، مقارنة بالهواء العادي الذي يحتوي على 21% أكسجين و78% نيتروجين. هذه العملية رفعت مستوى الأكسجين في دمه إلى خمسة أضعاف المعدل الطبيعي.
يحتوي الجسم البشري العادي على حوالي 450 ملليلتر من الأكسجين الصالح للاستخدام في الرئتين، لكن تقنية الأكسجين النقي مكنت ماريتيتش من تخزين حوالي 3 لترات من الأكسجين، كما أذابت كميات إضافية من الأكسجين في بلازما الدم، وهو أمر غير ممكن في التنفس الطبيعي. هذا التحضير المكثف جعل جسمه قادراً على العمل بكفاءة عالية لفترة طويلة دون الحاجة لتنفس جديد.
التحديات الفسيولوجية والنفسية أثناء الغوص
رغم التحضير المثالي، واجه ماريتيتش تحديات فسيولوجية ونفسية هائلة خلال محاولته. وفقاً لشهادته الشخصية، تنقسم تجربة حبس النفس لهذه المدة الطويلة إلى عدة مراحل زمنية متدرجة الصعوبة:
المرحلة الأولى (0-5 دقائق): تتسم بالاسترخاء والمتعة النسبية، حيث يكون الجسم قادراً على التعامل مع نقص الأكسجين التدريجي دون ضغط كبير.
المرحلة الثانية (5-10 دقائق): تبدأ الصراع مع الرغبة الملحة في التنفس، حيث يواجه الغواص تحدياً نفسياً صعباً. خلال هذه المرحلة، يشعر الشخص وكأنه “يموت عقلياً” أو “يختنق”، رغم أن جسمه لا يزال يحتوي على أكسجين كافٍ للبقاء.
المرحلة الثالثة (10-15 دقيقة): تشهد مرحلة التقلصات العضلية الشديدة، خاصة في عضلة الحجاب الحاجز، حيث يحاول الجسم بشكل لا إرادي إجبار الشخص على التنفس. خلال هذه المرحلة، يستخدم الغواص تقنيات ذهنية متقدمة للتركيز وإلهاء النفس.
المرحلة الرابعة (15-20 دقيقة): تتفاقم التقلصات وتصبح أكثر حدة، ويحتاج الغواص لمهارات عقلية استثنائية للتحكم في جسمه ومقاومة الرغبة الطبيعية في التنفس.
المرحلة الأخيرة (20-29 دقيقة): وصفها ماريتيتش بأنها “اختناق خالص والأمل في النجاة”، مؤكداً أن الأمر يتحول إلى صراع ضد الزمن وصراع ضد الشهرة، حيث يصبح الأمر مسألة بقاء حقيقية.




