في فيلمها الجديد «لِمَن يَجرؤ» تعود المخرجة اللبنانية – الفرنسية دانيال عربيد إلى بيروت، ليس بوصفها مدينة فقط، بل بوصفها حالة وجودية معلّقة بين الحياة والانهيار، لتقدّم عملاً سينمائيًا شديد الجرأة، يضع الحب في مواجهة مباشرة مع منظومة كاملة من العنف الاجتماعي، والتمييز، والخوف من الآخر.
تدور أحداث الفيلم في بيروت «متخيلة» أقرب إلى الحلم المكسور، حيث تلتقي سوزان، الأرملة اللبنانية ذات الجذور الفلسطينية، التي تؤدي دورها هيام عباس، بالشاب السوداني عثمان (أمين بن رشيد)، بعد أن تنقذه من اعتداء عنصري في الشارع. لقاء عابر سرعان ما يتحول إلى علاقة إنسانية عميقة بين شخصين يقفان على هامش المجتمع: امرأة تجاوزت السبعين، ورجل شاب بلا أوراق رسمية، مطارد بالخوف والهشاشة. ومن هذا الهامش، تولد قصة حب تبدو مستحيلة، لكنها تصبح في الفيلم فعل تحدٍّ ومقاومة.
لا تتعامل دانيال عربيد مع هذه العلاقة بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل باعتبارها مواجهة مباشرة مع منظومة اجتماعية مغلقة، ترى في الاختلاف تهديدًا، وفي الحب خروجًا عن «النظام». الفارق العمري، والاختلاف العرقي، والانتماءات الدينية والسياسية، كلها تتحول إلى طبقات من الصراع، تجعل من العلاقة بين سوزان وعثمان مرآة لواقع لبناني أوسع، مأزوم ومشحون بالكراهية المكبوتة.
اختيار هيام عباس للدور لم يكن مصادفة؛ فالعلاقة الطويلة التي تجمعها بعربيد منذ بداياتها السينمائية تمنح الشخصية عمقًا نادرًا. سوزان ليست ضحية، ولا بطلة مثالية، بل امرأة جريحة، واعية بثقل العالم من حولها، تختار رغم ذلك أن تحب. أما أمين بن رشيد، القادم من تجربة لجوء حقيقية، فيمنح شخصية عثمان صدقًا إنسانيًا واضحًا، يجعل حضوره على الشاشة امتدادًا لتجربة معيشة، لا مجرد أداء تمثيلي.
يُقدّم الفيلم بيروت بوصفها مختبرًا للتناقضات: مدينة غنية بتنوعها، لكنها قاسية في بنيتها الاجتماعية. شخصيات ثانوية من مجتمعات مهمّشة تحيط بالثنائي، بعضها داعم، وبعضها عدائي، في صورة تعكس مجتمعًا يعيش حالة استقطاب حاد، حيث يُراقَب الحب، ويُحاسَب الجسد، وتُقاس العلاقات بمعايير السلطة والخوف.
على المستوى الجمالي، يتخذ الفيلم خيارًا بصريًا لافتًا، إذ صُوِّر بالكامل بتقنية الإسقاط الخلفي (Rear Projection)، نتيجة استحالة التصوير في بيروت خلال فترة القصف الإسرائيلي. هذا الحل التقني لا يُستخدم كبديل اضطراري فقط، بل يتحول إلى جزء من لغة الفيلم، مانحًا الصورة طابعًا حُلُميًا، ومؤكدًا على فكرة «الوهم» والذاكرة، وكأن المدينة نفسها تُستعاد من مسافة، وتُحفظ من الزوال عبر السينما.
تتعمد عربيد منذ اللقطات الأولى أن تُعلن هذه اللعبة البصرية، فتضع المشاهد أمام تجربة واعية بذاتها، لا تسعى إلى الواقعية المطلقة، بل إلى التقاط روح المكان، وشعور العيش على الحافة. بيروت هنا ليست خلفية، بل شخصية حاضرة بثقلها، بتاريخها، وبمخاوفها التي تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
«لِمَن يَجرؤ» ليس فيلمًا عن الحب فقط، بل عن الجرأة: الجرأة على الاختيار، وعلى مواجهة المجتمع، وعلى الإيمان بإمكانية الإنسانية وسط عالم يتجه نحو التوحش. في زمن يتصاعد فيه الخطاب العنصري، ويتحوّل الخوف إلى سياسة يومية، تطرح دانيال عربيد سؤالها بوضوح: من يجرؤ على أن يحب؟ ومن يجرؤ على أن يعيش خارج القوالب؟




