لا يبدو فيلم “واحد من مليون” مجرد وثيقة عن اللجوء السوري، بل تجربة زمنية مكثفة ترصد كيف تُعاد صياغة الإنسان تحت ضغط الحرب والمنفى والاندماج القسري. في عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية العالمية بمهرجان صندانس 2026، يقدّم المخرجان إيتاب عزام وجاك ماكينيس عملاً يتجاوز التسجيل المباشر للوقائع، ليقترب من جوهر التحوّل الإنساني عبر عشر سنوات من المراقبة الحميمية لحياة فتاة سورية تكبر أمام الكاميرا، وتتحوّل من طفلة تبحث عن النجاة إلى امرأة تعيد مساءلة فكرة الوطن والهوية.
الفيلم يتتبع رحلة “إسراء” منذ لحظة ظهورها الأولى عام 2015 في أحد أسواق مدينة إزمير التركية، حيث كانت تعمل إلى جوار والدها لتأمين كلفة الهجرة، وصولاً إلى استقرار العائلة في ألمانيا، ثم عودتها لاحقاً إلى مدينة حلب بعد سنوات الغياب. هذه المسافة الزمنية لا تُختصر في سرد خطي أو شروحات سياسية مطوّلة، بل تُبنى عبر تفاصيل يومية صغيرة تكشف هشاشة الخوف، وقسوة الانتظار، ولحظات الأمل الخاطفة التي تصنع ذاكرة المنفى.
يعتمد الفيلم على أسلوب مراقبة هادئ، يمزج بين لقطات الحياة اليومية والمقابلات المباشرة، دون افتعال درامي أو خطاب عاطفي مباشر. الكاميرا تقترب من الشخصيات باعتبارها كائنات حيّة لا رموزاً، وتسمح للزمن بأن يكشف تناقضاتها وتحولاتها الداخلية. علاقة “إسراء” بوالدها تشكّل العمود العاطفي للعمل، تبدأ بوصفها علاقة حماية واعتماد متبادل، ثم تتصدع تدريجياً مع تصاعد أسئلة الحرية والسلطة والانتماء داخل الأسرة، في مجتمع جديد يعيد تعريف الأدوار والمعايير.
في مقابل هذا التوتر، يرصد الفيلم تحوّل الأم من حضور هامشي صامت إلى شخصية واعية بذاتها، تعيد اكتشاف صوتها وموقعها داخل العائلة والمجتمع. هذا التحول لا يُقدّم كخطاب تحرّري مباشر، بل كنتيجة طبيعية لاحتكاك طويل بثقافة جديدة، ولفرص تعليم وعمل وحرية لم تكن متاحة سابقاً. هنا يصبح المنفى مساحة مزدوجة: خلاصاً من القمع، وامتحاناً قاسياً للتماسك الأسري والهوية.
اللافت أن العمل يتجنّب اختزال تجربة اللجوء في مأساة مستمرة. فهو يمنح مساحته للحياة اليومية، للضحك والمراهقة والارتباك العاطفي والرغبة في الانتماء، ويقدّم “إسراء” كشخصية متقلبة، قوية أحياناً، مرتبكة أحياناً أخرى، تماماً كأي شابة تعيش انتقالاً قاسياً بين ثقافتين وزمنين وذاكرتين. بهذا المعنى، يتحول الفيلم من شهادة على الحرب إلى دراسة عميقة في تشكّل الذات.
ذروة الفيلم تأتي مع عودة “إسراء” إلى حلب بعد سنوات طويلة من الغياب. المدينة التي تسكن الذاكرة أكثر مما تسكن الواقع، تظهر بوصفها أطلالاً وأسئلة معلّقة. تتجوّل في الشوارع التي تعرفها ولا تعرفها في آن واحد، وتكتشف أن الانتماء لم يعد حقيقة ثابتة، بل شعوراً هشّاً يتغيّر مع الزمن والتجربة. هنا يطرح الفيلم سؤاله المركزي: هل الوطن مكان أم ذاكرة أم علاقة أم حالة شعورية متحوّلة.
قوة “واحد من مليون” لا تكمن فقط في امتداد زمن التصوير، بل في حساسيته الأخلاقية والبصرية، وفي قدرته على تحويل قصة فردية إلى مرآة لتجربة جماعية من دون الوقوع في التعميم أو الاستعراض. إنه فيلم عن الزمن أكثر مما هو عن الهجرة، وعن النضج أكثر مما هو عن السياسة، وعن الإنسان حين يُجبر على إعادة اختراع نفسه وسط عالم لا يشبه ماضيه.




