أعلن مجلس الإمارات للإعلام عن غرامات تصل إلى مليون درهم إماراتي لمنتهكي اللوائح الجديدة التي تحكم أنشطة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. تدخل القوانين الجديدة حيز التنفيذ كجزء من مبادرة شاملة لتنظيم صناعة المحتوى الرقمي في دولة الإمارات، والتي بات يُطلق عليها أول تحديث لقانون الإعلام في الدولة منذ أكثر من 40 عاماً.
القوانين الجديدة في الإمارات
تشترط اللوائح الجديدة التي أصدرها مجلس الإمارات للإعلام حصول جميع المؤثرين على رخصتين منفصلتين لممارسة أنشطتهم بشكل قانوني. الرخصة الأولى تجارية من دائرة التنمية الاقتصادية أو المناطق الحرة وتكلف بين 5 آلاف و15 ألف درهم سنوياً، بينما تبلغ رسوم الرخصة الإعلامية من مجلس الإمارات للإعلام ألف درهم سنوياً.
ابتداءً من 30 يوليو 2025، بات مطلوباً من المؤثرين الحصول على تصريح إعلاني لجميع أنشطتهم الترويجية، سواء كانت مدفوعة أم لا. يُمنح هذا التصريح مجاناً لمدة ثلاث سنوات، ويجب على المؤثرين إظهار رقم الترخيص بوضوح في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
تفرض الأنظمة الجديدة عقوبات صارمة تتراوح بين مليون درهم إلى مليوني درهم للمخالفين. كما تتضمن العقوبات إغلاق الحسابات المخالفة نهائياً، وحرمان المؤثر من تجديد تصريح العمل الرقمي، إلى جانب الإدراج في قائمة الممنوعين من ممارسة الأنشطة الدعائية لعدة سنوات.
التجارب الدولية في تنظيم المؤثرين
أوروبا تقود التشريعات
تُعد فرنسا رائدة في مجال تنظيم المؤثرين، حيث فرضت قانون التأثير لعام 2024 الذي يتطلب عقوداً مكتوبة إلزامية، وكشف المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي، وحظر الترويج للمنتجات عالية المخاطر مثل المقامرة وجراحات التجميل. تصل الغرامات في فرنسا إلى 300 ألف يورو أو السجن.
في ألمانيا، تطور القانون من خلال السوابق القضائية التي تتطلب استخدام تسميات ألمانية واضحة مثل “Anzeige” أو “Werbung”، مع تجنب إخفاء الإفصاحات في أقسام “اقرأ المزيد”. كما تشمل اللوائح حتى المؤثرين الافتراضيين.
في إسبانيا، ينطبق المرسوم الملكي 444/2024 على المؤثرين ذوي المتابعة الكبيرة، حيث يجب على من يحققون عوائد تزيد عن 300 ألف يورو أو لديهم مليون متابع التسجيل في السجل الحكومي للمقدمين السمعيين البصريين.
تفرض إيطاليا غرامات تصل إلى 600 ألف يورو، وتخطط لإنشاء سجل وطني للمؤثرين.
آسيا والمحيط الهادئ
في الهند، تشترط إرشادات مجلس معايير الإعلان (ASCI) والسلطة المركزية لحماية المستهلك (CCPA) استخدام علامات كشف مثل #ad و#collab و#promo باللغتين الإنجليزية والمحلية. تصل الغرامات إلى 50 لاك روبية أو حظر المعلنين المتكررين.
تحديث حديث في أبريل 2025 يتطلب من المؤثرين في القطاعات الصحية والمالية الكشف عن مؤهلاتهم وشهاداتهم المهنية. كشفت دراسة أن 69% من أفضل 100 نجم رقمي في الهند فشلوا في الامتثال لإرشادات الكشف.
في أستراليا، تواجه هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية (ASIC) المؤثرين الذين يقدمون نصائح مالية بالسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات. كما تفرض هيئة الاتصالات والإعلام الأسترالية (ACMA) غرامات تصل إلى 2.5 مليون دولار أسترالي على المؤثرين الذين يروجون للمقامرة غير القانونية.
أمريكا الشمالية
في الولايات المتحدة، تفرض لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) غرامات تصل إلى 51,744 دولار لكل مخالفة. تتطلب اللجنة كشفاً واضحاً ومرئياً لجميع العلاقات التجارية، وتحمل العلامات التجارية والمؤثرين مسؤولية مشتركة عن الامتثال.
في كندا، ينظم قانون المنافسة الفيدرالي علاقات المؤثرين والعلامات التجارية، ويحظر بشكل عام التمثيلات الكاذبة أو المضللة.
الوضع في مصر وتحديات تنظيم المحتوى
تواجه مصر تحديات كبيرة في تنظيم صناعة المحتوى الرقمي، حيث لم تُقنن هذه الصناعة بعد وتندرج تحت مظلة الاقتصاد غير الرسمي. سبق أن ناقش البرلمان المصري إخضاع أنشطة اليوتيوبرز للضرائب، وحُصر من 300 إلى 400 يوتيوبرز ممن تحقق قنواتهم دخولاً مرتفعة لفرض ضرائب عليهم.
في أغسطس 2025، أعطت مصر تطبيق تيك توك مهلة ثلاثة أشهر للامتثال للقوانين الوطنية والمعايير الثقافية أو مواجهة الحظر. جاء ذلك بعد شن الأجهزة الأمنية حملة توقيفات لعدد من البلوغرز بتهمة “نشر مقاطع خادشة للحياء والخروج على الآداب العامة”.
تشير الإحصائيات إلى أن مصر لديها أكثر من 41 مليون مستخدم بالغ لتيك توك، مع 64% منهم من الرجال. أزالت المنصة 2.9 مليون فيديو في مصر خلال الربع الأول من 2025 لانتهاكها إرشادات المجتمع، مع معدل إزالة استباقي بنسبة 99.6%.
تواجه مصر تحدياً في التوفيق بين ضبط المحتوى الذي يمس بالقيم الأسرية وبين تقييد المحتوى الذي قد يعبر عن الاختلاف في الرأي. كما تفجرت أخيراً أزمة تعامل صُناع المحتوى المصري بالدولار، عقب إعلان السلطات إلقاء القبض على صانع محتوى بحوزته أكثر من 163 ألف دولار.
اتجاهات عالمية لضبط صناعة التأثير
تشهد صناعة التأثير الرقمي تحولاً جذرياً نحو التنظيم والاحترافية على مستوى العالم. تتراوح أساليب التنظيم من فرض التراخيص الإلزامية كما في الإمارات ودول أخرى، إلى وضع إرشادات صارمة للكشف والشفافية في التسويق المؤثر.
يعكس هذا التوجه العالمي اعترافاً متزايداً بالقوة التأثيرية للمنصات الرقمية وضرورة حماية المستهلكين من الممارسات المضللة. كما تسعى الحكومات إلى تحقيق التوازن بين دعم الاقتصاد الرقمي وضمان الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقانونية المحلية.
تشير التقديرات إلى أن سوق الإعلانات المؤثرة في الإمارات سيصل إلى 97 مليون دولار بحلول 2030، بينما تُقدر قيمة اقتصاد المؤثرين في الهند بأكثر من 125 مليار روبية في 2024، ومن المتوقع نموه إلى 500 مليار روبية بحلول 2030.
الخلاصة أن الإمارات تنضم إلى قائمة متزايدة من الدول التي تسعى لتنظيم صناعة المؤثرين الرقميين، بينما تواجه دول أخرى مثل مصر تحديات في إيجاد الطريقة المُثلى لضبط هذا القطاع دون إعاقة نموه أو تقييد حرية التعبير.