يواجه العراق أزمة مائية غير مسبوقة، حيث بلغ العام 2025 أكثر السنوات جفافاً منذ ثلاثينات القرن الماضي بسبب قطع وتقليص تدفقات الأنهار من تركيا وإيران.
أسباب الأزمة
- يعتمد العراق على مصادر خارجية لأكثر من 70% من مياهه، ومع بناء تركيا سدوداً ضخمة أبرزها سد أتاتورك على الفرات وسد إليسو على دجلة، تراجعت إيرادات المياه إلى حوالي 27% فقط مقارنة بـ2024، فيما تبلغ حاجة العراق من تركيا وسوريا 600-800 متر مكعب في الثانية، ولا يتلقى سوى 353 متر مكعب فعلياً.
- إيران حولت مسارات الأنهار والروافد، وخاصة نهري ديالى والزاب الصغير وكارون وكرخة، وحولت ما يقارب مليار متر مكعب سنوياً إلى الداخل الإيراني عبر مشاريع مثل سد داريان ونفق نوسود، ما أثر مباشرة على سدود العراق وفرّغها من المياه.
العراق مستهدف
قال خبير الحدود والمياه الدولية اللواء الركن الدكتور جمال إبراهيم الحلبوسي في تصريخ خاص ل “لنا”:
إن موقع العراق الجغرافي ضمن محيط إقليمي بمجموعة من الدول العربية وغير العربية جعله نقطة اهتمام لكثير من الدول وليس في الفترة الأخيرة بل عبر امتدادا لقرون عديدة وآلاف السنين فكان يتعرض للاحتلال سواء من العثمانيين أو الصفويين أو الإيرانيين، وطوال السنوات الماضية كانت الخيرات التي في العراق أو موارده هي المستهدفة وخاصة من تركيا وايران،

بلاد الرافدين
وأضاف الدكتور الحلبوسي إن ملف المياه في العراق شائك وإذا أخذنا شكله الطبيعي نجد أنه للعراق موارد كونه وادي رافدين وطبيعة الأرض الجغرافية هي عبارة عن منخفض ويمر به نهرين عظيمين هما دجلة والفرات، وهما عبارة عن أحواض من ضمن 6 أحواض لتركيا، وهذه الأحواض عانت الكثير في منتصف القرن الماضي وبدأت تقل كميات المياه، حيث أن العراق كان في بداية أمر تشكيل المملكة عام 1921 من أولوياته في ضبط تدفق المياه والأنهار من خلال تقليل الكميات العابرة للحدود من تركيا وإيران لغرض المحافظة على المدن من الغرق فتعرضت معظم مدن العراق وخاصة وسط العراق وشماله إلى موجات فيضانات كثيرة أثرت عليه كثيراً وسببت الكثير من المشاكل في البنية التحتية وهدم البيوت وإلى آخره،
42 نهر من إيران و 8 من تركيا
أوضح الدكتور الحلبوسي أن تركيا منعت تدفق مياه 42 نهراً ومجراً مائياً إلى العراق، موزعة كالآتي:
- في السليمانية 11 نهرًا
- في ديالى 17 نهرًا
- في الكوت 4 أنهار
- في ميسان 7 أنهار
- في البصرة 3 أنهار
- إلى جانب 8 أنهار مشتركة مع تركيا.
نهر الفرات يأتي إلى العراق عبر الأنبار من سوريا، فيما نهر دجلة وباقي روافده تأتي عبر مناطق الموصل وإقليم كردستان.

تاريخ التعاون المائي بين العراق وتركيا
وأوضح أن التعاون مع تركيا بشأن المياه بدأ بمجرد زيارة أول وفد عراقي في 29 آذار 1946 برئاسة نوري سعيد. ووقعت الحكومة العراقية مع تركيا اتفاقية صداقة وحسن جوار تضمنت بروتوكولات حول التعاون الاقتصادي والفني، وأولها كان يهدف لتقليل كميات المياه العابرة للحدود لتفادي فيضانات كبيرة.
اتفق الطرفان على استخدام السدود لتقليل تدفقات المياه، وكان العراق مشاركاً في تلك البرامج للمساعدة.
في 17 كانون الثاني 1971 وقعّت تركيا والعراق بروتوكول تعاون حيث تم تحديد الكميات المائية التي يُفترض أن تصل للعراق، لكنه كان زمانياً ومناسباً للسكان والظروف وقتها، حيث لم تكن هناك صناعة أو زراعة واسعة كما اليوم.
المشاريع التركية الضخمة وسدود الفرات والدجلة
تأسست مشاريع السدود التركية الضخمة بداية من 1983 واستمرت إلى 1989، ثم اشتركت سوريا مع تركيا والعراق في اتفاقات تدير مياه الفرات وسدود دجلة.
وحسب الدكتور الحلبوسي أنشأت تركيا أكثر من 20 سداً على الفرات و8 سدود على دجلة، من بينها سد اليسو ووصل حجم المياه المخزنة إلى 120 مليار متر مكعب.
وتبلغ عدد السدود الصغيرة والمتوسطة والحصاد المائي في تركيا أكثر من 580 سدًا، مما يمثل نجاحًا استراتيجياً لتركيا في إدارة موارد المياه.
التحديات والقضايا المستمرة
رغم اتفاقيات التعاون، يرى العراق أن تركيا تخفض كميات المياه المارة وتديرها بشكل يضر بحصته. بينما تبرر تركيا أن هذا التحكم ضروري لمكافحة الفيضانات وضمن إدارة متوازنة.
تركيا دخلت في اتفاق جديد في 2025 مع العراق يتضمن آلية تمويل مشاريع مائية عبر نظام ربط النفط بالمياه، وهو أمر يثير جدلاً وسياسياً شعبياً في العراق.
إيران تقطع المياه عن العراق
بحسب الدكتور الحلبوسي:
بدأت إيران، منذ خمسينيات القرن الماضي، ببناء سدود كبيرة على نهر الكارون وأقيمت ثلاث سدود رئيسية، ثم توسعت لتشمل الأنهار والروافد الرئيسية الأخرى مثل الكرخة، نوروز، ديالى، سيروان،and الزاب الأسفل.
كما حوّلت إيران مجاري هذه الأنهار بشكل كبير باتجاه أراضيها، مع بناء أكثر من 620 سدًّا صغيرًا ومتوسطًا، بما في ذلك سدود حصاد الأمطار والقنوات التي تمتد من وسط إيران إلى شرق عبادان.
وبهذه الإجراءات أثرت سلبًا على المياه التي تصل للعراق، مما عطل الكثير من مشاريع الزراعة التي كانت تعتمد على حصة كافية من هذه الأنهار وقلّصت الإمكانيات الزراعية إلى حوالي الربع مقارنة بالماضي.
تأثيرات التغيرات المناخية
وتابع: يواجه العراق اليوم ارتفاعًا في درجات الحرارة وأثارًا شديدة للاحتباس الحراري، وهو من بين 15 دولة الأكثر تأثرًا في العالم.
ونتيجةً لذلك، تبلغ كمية المياه التي تتبخر من الأنهار والبحيرات في العراق بين 6 إلى 7 مليارات متر مكعب سنويًا، ما يزيد من تفاقم أزمة نقص المياه.
واثر النقص الكبير في المياه بشكل كبير على الغطاء النباتي وجودة المياه والنهرية، وزاد من نسب التلوث البحري والهوائي، الأمر الذي يؤثر بشكل عام على البيئة والصحة العامة.
تأثر الزراعة
النقص في المياه أدى إلى توقف أو تدهور الكثير من مشاريع الزراعة، وقلل من الإنتاج الزراعي، ما يهدد الأمن الغذائي للبلاد.
تدهورت نوعية الأنهار وتغيرت طبيعتها البيئية، وأصبحت الأنهار أكثر تعرضًا للتلوث الكيميائي والنفايات بسبب قلة تدفق المياه.
تدهور البيئات المائية تسبب في زيادة في المشاكل الصحية وارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بالتلوث.
الحلول
يرى خبير الحدود والمياه الدولية اللواء الكن الدكتور جمال الحلبوسي أن العراق لا يملك حلولا جوهرية بسبب تلسط تركيا وإيران. ولا يمكن اللجواء لهذه الدول إلا بعد تدويل القضية واللجوء إلى قانون هلسينكي أو اتفاقية هلسينكي عام 1992 واتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية التي صدرت من الأمم المتحدة في 21 مايو عام 1997.
وهذا القانون حدد العلاقة بين الدول المتشاطئة، دول المنبع ودول المرور أو دول المصب، ووضع فيه كيفية إدارة المشاريع، وكيفية إدارة الضرر، وكيفية الاستفادة،وكيفية استغلال المنشآت، وعملية تطوير هذه الأنهار والحفاظ عليها، وأن يكون هذا العمل مشتركًا.
وبين أن هذه العملية تحتاج إلى دبلوماسية عالية جدًا، دبلوماسية راقية في التعامل مع هذا الملف ومع هذه الدول، لكن للأسف الشديد، يمتاز العراق بعقم سياسي وضعف سياسي في هذا الملف على مدار كل الحكومات السابقة. ولا يمكن أن ينتج لدينا اتفاق أو اتفاقية أو بروتوكول بسبب رفض تركيا وإيران كل الاتفاقيات الدولية مثل هلسينكي وقانون الأنهار والمجاري غير الملاحية، رغم أنه أصبح الآن ملزمًا لهم، يحاولون التهرب ويستخدمون أوراق كثيرة للضغط على العراق سواء عسكريًا أو اقتصاديًا أو تجاريًا، في حين الحكومات العراقية صامتة وساكتة.
اقتراحات إضافية
تأسيس هيئة عليا للأنهار أو للمياه في العراق تضم عدة وزارات ويكون اهتمامها على الصعيد السياسي والدبلوماسي وحتى الأمني والعسكري كذلك. وتعالج هذه الهيئة مشكلة الأنهار و الصرف الصحي والمياه الثقيلة والمخلفات الصناعية، وكذلك بعض المبازل التي ترمى فيها هذه المخلفات كلها في الأنهار.
تنظيم استخدام عمليات الصيد وإنشاء حقول الأسماك في عمود النهر يؤثر كثيرًا على جودة هذه الأنهار.
تنظيم عمليات السقي التقليدية مثل السقي السيحي التي أصبحت غير مجدية، حتى المرشاة أصبحت غير فاعلة أو غير مجدية لأنها فيها تبذير. وبدلا من ذلك الاعتماد على التنقيط والمكننة الصحيحة، واستخدام الغابات، والأحزمة الخضراء حول المدن كلها تساعد في تقليل التصحر وتقلل الغبار والعواصف التي تدفع باتجاه التلوث.




