كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن مقترح موازنة السنة المالية 2027 يتضمن خفضاً جذرياً لميزانية وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) بمقدار 707 ملايين دولار، وذلك في وقت تتصاعد فيه التهديدات الإلكترونية من روسيا والصين. يأتي هذا القرار ليُضاف إلى سلسلة متواصلة من الخطوات التي أضعفت قدرات الوكالة الأمريكية المعنية بالدفاع السيبراني منذ تولّي ترمب رئاسته الثانية مطلع 2025.
تخفيضات متراكمة في الميزانية
اقترح البيت الأبيض تخفيض ميزانية CISA بنحو 707 ملايين دولار للسنة المالية 2027، وهو ما يعادل نحو 30% من ميزانية الوكالة للسنة المالية 2025 البالغة 2.4 مليار دولار. يأتي ذلك بعد أن حاولت الإدارة الأمريكية في العام السابق تقليص الميزانية بنحو 491 مليون دولار، قبل أن يُخفّف الكونغرس هذه التخفيضات إلى نحو 135 مليون دولار فحسب. وإذا مرّت الموازنة الجديدة، ستنخفض ميزانية CISA التشغيلية إلى ما دون 2 مليار دولار.
تبرّر الإدارة الأمريكية هذه التخفيضات بادعاء أنها “تُعيد التركيز على المهمة الجوهرية” للوكالة، وتتهم CISA بأنها كانت “مُنصبّة على الرقابة لا على حماية الأنظمة الحيوية”، في إشارة إلى جهود الوكالة لمكافحة المعلومات المضللة خلال انتخابات 2020 التي خسرها ترمب. كما تزعم الإدارة أن الوكالة كانت تُموّل برامج مكررة كبرامج سلامة المدارس التي تتولاها جهات اتحادية وولائية أخرى.
نزيف في الكوادر البشرية وحلّ المجالس الاستشارية
لم يتوقف الأمر عند حدود الموازنة؛ فقد فقدت CISA ما يزيد على ثلث كوادرها البشرية منذ مطلع 2025، إذ انخفض عدد موظفيها من نحو 3400 شخص في بداية السنة المالية 2025 إلى ما يقارب 2400 فقط بحلول ديسمبر من العام ذاته. قبل هذه الموجة من الاستقالات والتسريح، قبل نحو 600 موظف عروض “المغادرة الطوعية” التي أطلقتها وزارة الأمن الداخلي، بينما قبل 174 آخرون العرض الأول للاستقالة المؤجلة. وبحسب تقارير مطلع عام 2026، كانت CISA تعمل بنحو 38% فقط من طاقتها البشرية بسبب التوقف الجزئي للحكومة الفيدرالية. وبات عدد الموظفين الحاليين لا يتجاوز 2324 وظيفة مشغولة من أصل 3292 وظيفة مرخصة للسنة المالية 2026. وقد طالت التخفيضات برامج بالغة الأهمية مثل مبادرة مكافحة برامج الفدية وجهود تطوير البرمجيات الآمنة.
منذ يناير 2025، أصدر وزير الأمن الداخلي بالنيابة أمراً بحلّ جميع اللجان الاستشارية في الوزارة، وكان من بين الضحايا مجلس مراجعة أمن الفضاء الإلكتروني (CSRB) الذي كان يُحقق في اختراقات شركات الاتصالات الأمريكية من قِبل المجموعة الصينية “سولت تايفون”. كذلك جرى حلّ مجلس الشراكة الاستشاري للبنية التحتية الحيوية (CIPAC) الذي شكّل جسراً للتواصل الاستخباراتي بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب المجلس الاستشاري الوطني للبنية التحتية، واللجنة الاستشارية الوطنية لاتصالات الأمن القومي، ومجلس التحقيقات السيبرانية للخدمة السرية.
تهديدات روسية وصينية متصاعدة
وحذّر د. ديفيد موسينغتون، مسؤول سابق رفيع في CISA، من أن هذه التخفيضات منحت إيران والصين وروسيا هدية ثمينة لا تُقدّر. فمع غياب قيادة دائمة تُعيّنها مجلس الشيوخ منذ يناير 2025، تعثرت قدرات الوكالة على المضي قدماً في ملفات الأمن السيبراني الحيوية.
يتزامن تراجع قدرات CISA مع موجة من الاختراقات الموثقة التي طالت مؤسسات أمريكية حساسة. فقد اخترق قراصنة روس نظام إدارة القضايا في المحاكم الفيدرالية (PACER/CM-ECF)، وسرقوا وثائق محكومة بالسرية تتعلق بمخبرين ومتهمين أمنيين، مستغلين ثغرات بسيطة في منظومة التحقق من الهوية. وكشفت التحقيقات أن هؤلاء القراصنة كانوا يتجولون داخل النظام لسنوات قبل اكتشاف الاختراق صيف 2025.
على الجانب الصيني، أكد مسؤولون في CISA أن بكين نجحت في زرع برمجيات خبيثة عميقاً داخل منظومة الطاقة وشبكات المياه وشبكات الاتصالات الأمريكية، ضمن ما وصفوه بـ”استراتيجية التموضع المسبق” للاستخدام في وقت الأزمات. وحدد مسؤول رفيع في CISA عام 2027 ذكرى تأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني تاريخاً حاسماً محتملاً. وفي تقرير التقييم السنوي للتهديدات لعام 2026 الصادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، جرى تصنيف الصين باعتبارها “التهديد السيبراني الأكثر نشاطاً وديمومة” على الشبكات الأمريكية، فيما وصف التقرير روسيا بأنها “تهديد سيبراني متقدم ومستمر”. وقد استهدفت مجموعة صينية أخرى وزارة الخزانة الأمريكية واخترقت محطات عمل موظفيها والوثائق الحساسة غير السرية.
معركة سياسية في الكونغرس حول مستقبل CISA
لم تقابَل هذه التخفيضات بصمت سياسي؛ إذ شنّ النائب بيني طومسون، العضو الديمقراطي الرفيع في لجنة الأمن الداخلي بمجلس النواب، هجوماً حاداً على الموازنة المقترحة، قائلاً إنها “تعكس قصوراً جلياً في فهم الرئيس لعاجلية التهديدات السيبرانية”. وكان الكونغرس قد وقف في وجه التخفيضات السابقة للعام المالي 2026 وخفّفها بشكل كبير، مما يُشير إلى احتمال تكرار هذا السيناريو. وفي السياق ذاته، حذّر مسؤول سابق في CISA صحيفة The Register من أن الخطة “ستُضعف المنظومة الوطنية لإدارة المخاطر السيبرانية بأسرها”.
في المقابل، استشهد بعض المؤيدين للتخفيضات بالنمو المتسارع في أعداد الموظفين تحت قيادة المديرة جين إيسترلي ومخاوف من “تمدد مهام” الوكالة خارج نطاقها الجوهري.
أسئلة مفتوحة حول سلامة البنية التحتية الأمريكية
يطرح مقترح خفض ميزانية CISA بـ707 ملايين دولار تساؤلات جوهرية حول سلامة البنية التحتية الأمريكية، لا سيما أن الوكالة دخلت هذه المرحلة وهي أصلاً مُنهكة من تداعيات التخفيضات السابقة وموجة التسريح. فبينما تتمدد قدرات روسيا والصين السيبرانية على الأرض الأمريكية، يبدو أن الوكالة المنوط بها التصدي لهذه التهديدات تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. سيظل الكونغرس الحكم الفاصل في هذا الملف، كما جرى في موازنة 2026، وقد يُنقذ الوكالة مرة أخرى من قطع شريانها المالي الكامل.




