شهدت مصر خلال الأسبوع الأول من أغسطس 2025 حملة أمنية موسعة غير مسبوقة، استهدفت مجموعة من أبرز صانعي المحتوى على منصة “تيك توك”، حيث ألقت أجهزة الأمن القبض على ما يقارب 8 من المؤثرين والمشاهير على المنصة، بتهم تراوحت بين نشر محتوى خادش للحياء العام والتحريض على سلوكيات منافية للآداب والتربح غير المشروع.
كواليس العملية الأمنية المنسقة
أكدت وزارة الداخلية المصرية في بيانات متتالية أن العملية الأمنية جاءت استجابة لعشرات البلاغات المقدمة من مواطنين ومحامين ضد هؤلاء المؤثرين، حيث أكد المحامي أشرف فرحات، مؤسس ما أطلق عليه “حملة تطهير المجتمع“، أنه تقدم ببلاغات ضد عدة أسماء، معتبراً أن الهدف ليس استهداف الأفراد بل السلوكيات التي تهدد النسيج المجتمعي.
وأوضحت وزارة الداخلية أن الأجهزة الأمنية رصدت هذه الحسابات لفترة طويلة قبل تنفيذ الحملة، حيث قامت وحدات الرصد الإلكتروني بتحليل المحتوى ومصادر الدخل لهؤلاء المؤثرين للتأكد من مشروعيتها.
الأسماء البارزة في الحملة
شملت الحملة الأمنية أسماء مؤثرة على المنصة، كان أبرزها:
محمد شاكر “شاكر محظور دلوقتي”: الضابط السابق الذي تخرج من كلية الشرطة عام 2017 وعمل نقيباً في أسوان قبل أن يقدم استقالته، ليصبح واحداً من أشهر وجوه تيك توك عربياً ومصرياً. تم القبض عليه في أحد الكافيهات بالقاهرة الجديدة، وضُبط بحوزته سلاح ناري غير مرخص ومخدرات.
محمد خالد “مداهم”: الذي كان يعمل بائع سمك قبل دخوله عالم السوشيال ميديا، وتم ضبطه مع مبالغ مالية بالعملة المحلية والأجنبية ومخدرات.
مريم أيمن “سوزي الأردنية”: فتاة في الثامنة عشرة من العمر، تم ضبطها في منطقة القاهرة الجديدة بتهم نشر محتوى خادش للحياء.
وشملت الحملة أيضاً صانعات محتوى أخريات مثل “أم سجدة”، و”أم مكة”، و”علياء قمرون”، و”قمر الوكالة”، بالإضافة إلى “مروة” التي ادعت أنها ابنة الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك.
التهم الموجهة والإطار القانوني
طبيعة الاتهامات
وجهت السلطات المصرية تهماً متنوعة للمقبوض عليهم، تراوحت بين:
- نشر محتوى خادش للحياء العام: حيث اتُهم معظم المقبوض عليهم بنشر مقاطع فيديو تحتوي على ألفاظ وإيحاءات تُعتبر خادشة للحياء العام.
- الاعتداء على القيم والمبادئ الأسرية: وفقاً لقانون تقنية المعلومات المصري.
- إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي: بهدف تحقيق أرباح مالية دون ضوابط قانونية.
- شبه غسيل أموال: حيث كشفت التحقيقات عن تلقي هؤلاء المؤثرين مبالغ ضخمة من هدايا رقمية مصدرها مجهول، دون الإعلان عنها ضريبياً.
- حيازة مواد مخدرة: تم ضبط مخدري الحشيش والأيس مع بعض المتهمين.
الإطار القانوني للعقوبات
أوضح المحامي أشرف فرحات أن العقوبات المحتملة قد تصل إلى السجن 3 سنوات وغرامة 300 ألف جنيه أو أكثر، مشيراً إلى أن التحقيقات تشمل فحص مصادر الدخل وإمكانية ارتباطها بجرائم أخرى مثل غسيل الأموال.
ردود الفعل البرلمانية والرسمية
موقف البرلمان وإنذار “تيك توك”
تفاعل مجلس النواب المصري بقوة مع هذه الأحداث، حيث كشف النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عن عقد اجتماعات مع المدير الإقليمي لمنصة “تيك توك” بحضور مسؤولي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
وأكد بدوي أن اللجنة منحت “تيك توك” مهلة نهائية مدتها 3 أشهر (65 يوماً متبقياً وقت التصريح) لتحسين محتوى المنصة وحجب المواد المخالفة للقيم المصرية، محذراً من تطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في حالة عدم الالتزام.
كشف أرقام مثيرة حول الأرباح
كشف النائب بدوي معلومات صادمة حول الأرباح التي يحققها بعض مشاهير “تيك توك”، مؤكداً أن بعضهم يحقق ما بين 60-70 ألف دولار شهرياً، وقد يصل دخل البعض إلى 15-20 مليون جنيه سنوياً، وأن أحد المؤثرين كان يربح مليون جنيه في البث الواحد الذي يستمر 3 ساعات.
دعوات برلمانية لحجب التطبيق
قدم النائب عصام دياب طلب إحاطة لحجب “تيك توك” بداعي تهديده للأمن القومي ومخالفة الأعراف المصرية، مشيراً إلى أن 19 دولة مختلفة اتخذت قراراً بحجبه لمخالفته المعايير الأخلاقية والقانونية.
تداعيات الحملة وتأثيرها
اختفاء 75% من المحتوى المخالف
أكد النائب أحمد بدوي أن الحملة الأمنية حققت نتائج سريعة، حيث اختفى 75% من صناع المحتوى المخالفين من المنصة، كما توقف بث المحتوى المسيء تماماً منذ بداية الحملة.
استمرار التحقيقات
كشف بدوي عن وجود 11 حالة إضافية يجري حالياً تقنين الإجراءات بشأنهم تمهيداً لاستئذان النيابة العامة واستكمال إجراءات القبض عليهم.
ضبط مخالفات تقنية
أشار بدوي إلى ضبط أجهزة اتصال غير قانونية بحوزة بعض صناع المحتوى، مخالفة لقانون تنظيم الاتصالات، بالإضافة لمبالغ مالية ومخدرات.
مستقبل “تيك توك” في مصر
قضية قضائية حاسمة
حددت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة جلسة 9 سبتمبر للنظر في دعوى قضائية تطالب بحظر “تيك توك” أو فرض ضوابط صارمة على محتواه، والتي أقامها المحامي أحمد مهران ضد رئيس الوزراء ووزير الاتصالات.
شروط البقاء
وضع البرلمان المصري ثلاثة شروط أساسية أمام “تيك توك” للاستمرار في العمل داخل مصر:
- حجب المحتوى المخالف: فورياً وبشكل تلقائي
- تعيين ممثل قانوني: داخل مصر للمساءلة القانونية
- تنفيذ توصيات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: بشأن ضوابط المحتوى
التهديد بالحجب الكامل
أكد المسؤولون المصريون أن الدولة تمتلك القدرات التقنية لحجب التطبيق إذا لزم الأمر، مشيرين لتجارب دول أخرى حظرت “تيك توك” مثل الهند وباكستان.
خلاصة التطورات
تمثل هذه الحملة الأمنية نقطة تحول حاسمة في التعامل مع المحتوى الرقمي في مصر، حيث انتقلت السلطات من مرحلة المراقبة والتحذير إلى التطبيق الفعلي للقوانين. وبينما يرى مؤيدو الحملة أنها ضرورية لحماية القيم المجتمعية، يثير البعض مخاوف حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي.
تبقى الأيام القادمة حاسمة في تحديد مستقبل “تيك توك” في مصر، خاصة مع انتهاء المهلة الممنوحة للمنصة في نوفمبر 2025، والقرار القضائي المنتظر في سبتمبر، مما قد يعيد تشكيل المشهد الرقمي المصري بشكل جذري.