يشهد عالم الثروات الخاصة تحولاً متسارعاً مع تغير طبيعة الأصول، وتوسع حضور العائلات الثرية في الأسواق العالمية، وظهور تحديات جديدة تتعلق بكيفية حماية الثروات، وإدارتها بكفاءة، وضمان انتقالها بسلاسة بين الأجيال. ولم تعد الثروة اليوم مجرد أرقام أو استثمارات، بل أصبحت منظومة متكاملة ترتبط بالتخطيط طويل الأجل، والحوكمة، والقدرة على اتخاذ قرارات مستدامة.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، تواجه العائلات الثرية حول العالم تحديات متزايدة تتعلق بتعقيد الهياكل الاستثمارية، وتنوع الأصول، وتعدد الأسواق التي تعمل فيها، إلى جانب الحاجة إلى إعداد الأجيال القادمة لتحمل مسؤولية إدارة الثروة والحفاظ على الإرث العائلي.
وتزامناً مع هذه التحولات، برزت المكاتب العائلية كأحد النماذج المهمة التي تساعد العائلات على تنظيم إدارة ثرواتها، من خلال توفير نهج متكامل يجمع بين الاستثمار، والحوكمة، والتخطيط للتعاقب الجيلي، بما يضمن تحقيق التوازن بين تنمية الثروة والحفاظ عليها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، عززت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانتها كوجهة عالمية تستقطب اهتمام العائلات الثرية والمستثمرين، بفضل ما توفره من بيئة مستقرة، وبنية مالية متطورة، ومنظومة تنظيمية تواكب احتياجات الاقتصاد العالمي، إلى جانب موقعها الاستراتيجي الذي يجعلها مركزاً يربط بين مختلف الأسواق.
ومع استمرار التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتطورات التقنية، تتزايد أهمية وجود استراتيجيات مرنة تساعد العائلات على التعامل مع المتغيرات، وإدارة المخاطر، وبناء ثروات قادرة على الاستمرار عبر الأجيال.
وفي مقابلة خاصة أجرتها منصة لنا مع شيفكومار روهيرا، الرئيس التنفيذي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى كلاي جروب، تحدث عن التحولات التي يشهدها مشهد الثروات العالمي، وأسباب تنامي مكانة دولة الإمارات كوجهة مفضلة للمكاتب العائلية العالمية، ودور البيئة التنظيمية في دبي في جذب رؤوس الأموال الدولية، إلى جانب أبرز التحديات التي تواجه العائلات الثرية في الحفاظ على ثرواتها عبر الأجيال، ومستقبل إدارة الثروات في ظل المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتطورات التقنية.

وحول أسباب تحول دولة الإمارات العربية المتحدة إلى وجهة مفضلة للمكاتب العائلية العالمية، أوضح شيفكومار روهيرا أن دور دولة الإمارات في مشهد الثروات العالمي شهد تحولاً جوهرياً؛ فقبل نحو عقد من الزمان، كان توافد العائلات إليها يهدف بالأساس إلى تنمية الثروة وتوسيع نطاقها، أما اليوم، فإن استقرارهم فيها يرتبط بكونها باتت من أفضل البيئات العالمية المقترحة لحماية الثروات، وتنظيمها، ونقلها بين الأجيال.
وأضاف شيفكومار روهيرا أن العائلات اليوم لا تبحث فقط عن تنمية الثروة، بل عن تأسيس مركز استقرار طويل الأجل؛ إذ يثمنون الاستقرار السياسي والاقتصادي، وقوة المؤسسات، والترابط العالمي، فضلاً عن منظومة مالية متكاملة تتطور باستمرار لتلبية تطلعاتهم المتغيرة.
وأوضح أن هذا التحول يرتبط بتغير طبيعة الثروة نفسها، إذ أصبحت ذات طابع دولي عابر للحدود؛ فربما تمتلك العائلة أعمالاً تجارية في دولة، واستثمارات موزعة على دول عدة، بينما يقيم جيلها القادم في بلد آخر. وتتمتع الإمارات بموقع استراتيجي متميز يجمع شتات هذه الأجزاء المتحركة، مما يمنح العائلات ثقة مطلقة في إدارة حياتهم وأصولهم الممتدة عالمياً انطلاقاً من مركز مالي واحد وثابت.
وأشار إلى أنه في نهاية المطاف، لم تعد العائلات الثرية تكتفي بالبحث عن فرصة استثمار عابرة، بل باتت تفكر في البيئة التي ترغب في ترسيخ جذور عائلاتها وأعمالها وإرثها فيها خلال العقود الثلاثة القادمة، وتتصدر الإمارات بشكل متزايد هذا الخيار.
البيئة التنظيمية في دبي ودورها في جذب رؤوس الأموال الدولية
وحول دور البيئة التنظيمية في دبي في جذب رؤوس الأموال الدولية، أوضح روهيرا أن الأطر التنظيمية نادراً ما تكون وحدها جالبة للاستثمار، لكنها تلعب دوراً حاسماً في قرار الاستقرار والإنماء طويل الأجل. فالعائلات التي تتخذ قرارات استراتيجية ممتدة تحتاج إلى اليقين بأن القوانين تتسم بالوضوح والاتساق والبعد عن المفاجآت، فهذا الاستقرار هو ما يتيح لها صياغة قرارات الاستثمار والتعاقب الجيلي بأفق زمني أرحب.
وأضاف أن دبي بذلت جهوداً حثيثة لترسيخ هذه الثقة؛ فمن خلال مراكزها المالية المرموقة مثل “مركز دبي المالي العالمي”، أوجدت بيئة عمل مألوفة للمستثمرين الدوليين، مع الحرص على تطويرها باستمرار لتواكب متطلباتهم المتغيرة. ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة لأن المكاتب العائلية اليوم تدير غالباً أعمالاً واستثمارات وأصولاً ممتدة عبر نطاقات قانونية متعددة، وتحتاج إلى أطر قانونية وتنظيمية تدعم هذا التعقيد بدلاً من أن تزيد من إرباكه.

كما أشار إلى أن هناك نمواً متزايداً في مستويات الثقة بفضل مرونة دبي وسعيها المستمر لتحديث منظومتها وتطويرها بدلاً من الاكتفاء بالجمود؛ مما يبعث برسالة جادة للعائلات الدولية مفادها أنها تختار بيئة تشريعية تستشرف المستقبل ولا تكتفي بالاستناد إلى أمجاد الماضي.
وأكد أن المبدأ الثابت هنا هو أن “رأس المال يتبع الثقة”؛ فالإطار التنظيمي الصلب يمنح العائلات الطمأنينة الكاملة لبناء خطط ممتدة الأجل في دبي بيقين أكبر تجاه المستقبل.
أبرز التحديات التي تواجه العائلات الثرية في الحفاظ على ثرواتها عبر الأجيال
وحول أبرز التحديات التي تواجه العائلات الثرية في الحفاظ على ثرواتها عبر الأجيال، أوضح أن الأداء الاستثماري نادراً ما يكون المحدد الرئيسي لاستمرارية الثروة عبر ثلاثة أو أربعة أجيال، بل يرتبط الأمر غالباً بمدى جاهزية العائلة لإدارة المسؤوليات والأحمال المصاحبة لهذه الثروة.
وأضاف أن العديد من رواد الأعمال قضوا عقوداً في بناء شركات ناجحة؛ غير أن صناعة الثروة تتطلب الرؤية والإصرار، بينما يتطلب الحفاظ عليها مهارات من نوع مختلف تماماً. تحتاج العائلات إلى حوكمة واضحة، وأدوار محددة بدقة، وحوارات مفتوحة حول التعاقب الجيلي قبل أن تصبح هذه القرارات ملحة أو مفروضة بالأمر الواقع.
وأشار إلى أن التحدي الآخر يكمن في التعقيد المتزايد للثروات نفسها؛ إذ تتوزع الأصول اليوم بين شركات، وعقارات، واستثمارات خاصة، وولايات قضائية متعددة، في حين يقيم أفراد العائلة في مناطق متفرقة من العالم. وبغياب منهجية تنسيقية موحدة، يمكن لهذا التعقيد أن يتحول سريعاً إلى مصدر للمخاطر.
وأكد أن العائلات التي تنجح في استدامة ثروتها عبر الأجيال هي تلك التي تدرك أن أثمن أصولها ليس محفظتها الاستثمارية، بل قدرتها على اتخاذ قرارات مشتركة رشيدة؛ فنقل القيم وحسن التقدير والحس بالمسؤولية غالباً ما يكون أكثر أهمية من نقل المال مجرداً.
أهمية حوكمة العائلات في ضمان استدامة الثروة
وفيما يتعلق بأهمية حوكمة العائلات في ضمان استدامة الثروة، أوضح شيفكومار روهيرا أن حوكمة العائلات غالباً ما يُساء فهمها باختزالها في وثائق وسياسات أو اجتماعات رسمية، بينما هي في جوهرها أداة لمساعدة العائلة على اتخاذ قرارات مشتركة صائبة، لا سيما عند تغير الظروف.
وأضاف أن العائلة مع نموها تتعدد أصواتها وتتباين التوقعات والأولويات؛ فقد يكون المؤسس هو من بنى الثروة، لكن الجيل التالي يحمل تجارب وطموحات ونظرة مختلفة للمخاطر. وبغياب إطار واضح لاتخاذ القرار، حتى العائلات الأكثر ترابطاً قد تجد نفسها عرضة لسوء الفهم أو النزاعات.
وأشار إلى أن الحوكمة الرشيدة تمنح العائلة وضوحاً شاملاً؛ إذ تحدد آلية اتخاذ القرارات، ومسؤوليات كل فرد، وكيفية التعامل مع الملفات الجوهرية كاستخلاف الأجيال، والعمل الخيري، والاستثمارات الكبرى. وتتضاعف قيمة هذا الوضوح كلما امتدت الثروة عبر عدة أجيال وأطر قانونية مختلفة.
ولفت إلى أن ما لمسوه في تجربتهم، هو أن العائلات التي تستثمر الوقت والجهد في إرساء الحوكمة تكون أكثر جاهزية للتعامل مع عدم اليقين؛ لأنها اتفقت مسبقاً على المبادئ التي توجه قراراتها. إن الثروة تصنع فرصاً هائلة للأجيال، ولكن بشرط وجود فهم مشترك لكيفية إدارتها والنهوض بمسؤولياتها.
الأخطاء الأكثر شيوعاً التي تؤدي إلى تآكل الثروات العائلية
وحول الأخطاء الأكثر شيوعاً التي تؤدي إلى تآكل الثروات العائلية، أوضح شيفكومار روهيرا أن من أكبر الأخطاء الاعتقاد بأن الذهنية المطلوبة لصناعة الثروة هي ذاتها الكفيلة بالحفاظ عليها. الواقع ينافي ذلك؛ فرواد الأعمال يُكافَأون غالباً على ركوب المخاطر المركزية، والتحرك السريع، والاعتماد على الحدس. لكن مع نمو الثروة، قد تتحول هذه الممارسات نفسها إلى مصدر لمخاطر لا داعي لها.
وأضاف أن خطأ شائعاً آخر يتمثل في تأجيل الأحاديث الحساسة والمصيرية؛ إذ يتم إرجاء التخطيط للتعاقب الجيلي، أو تحديد أدوار الأفراد، أو إعداد الجيل القادم لعدم وجود “الوقت المناسب” زعماً. وفي الحقيقة، تكون هذه النقاشات أكثر فاعلية وجدوى عندما تتم بتدرج وهدوء، وليس في أوقات التحولات أو الأزمات.
كما أشار إلى أن بعض العائلات تنسى أو تستهين بالسرعة التي يتراكم بها التعقيد؛ فالشركات والعقارات والاستثمارات الخاصة والأصول الدولية قد تتشتت وتتفكك بمرور الوقت إذا لم تكن هناك استراتيجية موحدة تجمع شتاتها.
وبحسب خبرته، أوضح شيفكومار روهيرا أن الثروة نادراً ما تضيع بسبب قرار استثماري خاطئ واحد، بل تتآكل غالباً عبر سلسلة من القرارات الصغيرة المربكة، والحوارات الغائبة، وغياب التخطيط الممتد. والعائلات التي تتنبه لهذا مبكراً تكون أقدر على حماية ثروتها والفرص التي تتيحها للأجيال القادمة.
المشهد الاستثماري العالمي في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة
وحول تقييمه للمشهد الاستثماري العالمي في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، أوضح شيفكومار روهيرا أن التوترات الجيوسياسية دفعت المستثمرين إلى مزيد من الحذر، لكنها في الوقت نفسه رسخت مبدأً أساسياً: وهو أن الأسواق ستشهد دائماً فترات من عدم اليقين. وسواء تمثل السبب في نزاع جيوسياسي، أو تضخم، أو تغيرات في السياسات التجارية، فإن العوامل المتغيرة تبدو مختلفة لكن حالة عدم اليقين تبقى ثابتاً مستمراً.
وأضاف أن هذا السبب يدفع إلى حث العائلات دائماً على تجنب اتخاذ قرارات استثمارية بناءً على العناوين الصحفية العابرة. فالأحداث قصيرة الأجل قد تخلق تقلبات وقتية، لكنها نادراً ما تغير الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل المتمثلة في حماية الثروة وتنميتها عبر الأجيال.
وأشار إلى أنهم ما زالوا يرون فرصاً واعدة ومجزية في مجالات تدعمها توجهات هيكلية طويلة الأجل، مثل التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، واستثمارات مختارة في الأسواق الخاصة. وفي الوقت نفسه، أصبح التنوع أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط عبر فئات الأصول، بل عبر المناطق الجغرافية ومصادر العوائد المختلفة.
وأكد شيفكومار روهيرا أن المكاتب العائلية تتميز بطبيعتها بكونها مستثمراً طويل الأجل؛ وتركيزها ينصب على بناء محافظ استثمارية مرنة وقادرة على استيعاب الدورات الاقتصادية والسياسية المختلفة، بدلاً من محاولة التنبؤ بحركة السوق القادمة. وقد أصبحت هذه المنهجية الملتزمة أكثر قيمة في البيئة الراهنة.

إدارة المخاطر في ظل بيئة اقتصادية متقلبة
وفيما يتعلق بنصيحته للمستثمرين حول إدارة المخاطر في ظل بيئة اقتصادية متقلبة، أوضح شيفكومار روهيرا أن من أكبر المفاهيم الخاطئة الظن بإمكانية إزالة المخاطر تماماً؛ فهذا أمر غير ممكن. الهدف الحقيقي هو فهم المخاطر، والاستعداد لها، وتجنب الإقدام على مخاطرات قد تؤدي إلى إلحاق ضرر دائم بثروة العائلة.
وأضاف أنهم يشجعون العائلات على اتخاذ القرارات الاستثمارية المفصلية عندما تكون الأسواق في حالة هدوء، لا عندما تكون العواطف والانفعالات هي المحرك. فالاستراتيجية الاستثمارية المسبوكة بعناية يجب أن تكون قوية بما يكفي للاستجابة لفترات التقلب دون الحاجة إلى تعديلات مستمرة مع كل تبدل في عناوين الأخبار.
وأشار إلى أن التنويع يبقى أحد أكثر الأدوات المتاحة فاعلية، ولا سيما عبر القطاعات الجغرافية وفئات الأصول ومصادر العوائد المتنوعة. كما لا تقل المراجعة الدورية للمحفظة أهمية، لضمان استمرار انعكاس ظروف السوق المتغيرة وأولويات العائلة المتطورة على قرارات الاستثمار.
وأوضح أن إدارة المخاطر بالنسبة للمكاتب العائلية تتجاوز نطاق المحفظة الاستثمارية بكثير؛ لتشمل التخطيط للتعاقب الجيلي، والحوكمة، وإدارة السيولة، وإعداد الجيل القادم لاتخاذ قرارات مدروسة. إن النظر إلى ما هو أبعد من مخاطر السوق يؤدي غالباً إلى قرارات أفضل، لأن العوامل التي تشكل مستقبل العائلة نادراً ما تقتصر على الأداء الاستثماري وحده.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل قطاع إدارة الثروات
وحول تأثير الذكاء الاصطناعي على قطاع إدارة الثروات، أوضح أن الذكاء الاصطناعي يحدث تحولاً في قطاع إدارة الثروات على نحو يتشابه مع أثره في الخدمات المهنية الأخرى؛ فهو يسهل الوصول إلى المعلومات، ويسرّع عمليات البحث والأبحاث، ويرفع كفاءة الإجراءات الروتينية. هذه تحسينات جوهرية بلا شك، لكنها تعالج جانباً واحداً فقط من العلاقة الاستشارية.
وأضاف أن القيمة الحقيقية للمكتب العائلي لم تكن يوماً في مجرد القدرة على جمع المعلومات، بل تكمن في مساعدة العائلات على اتخاذ قرارات مصيرية، تتداخل فيها غالباً أجيال متعددة، وأولويات متضاربة، واعتبارات عاطفية إنسانية معقدة. ويمكن للذكاء الاصطناعي دعم هذه النقاشات بتقديم تحليلات ورؤى أفضل، لكنه يعجز عن استبدال الحكمة وحسن التقدير البشري اللازمين لإدارتها.
وأشار إلى اعتقاده بأن الذكاء الاصطناعي سيرفع سقف التوقعات في هذا القطاع؛ فمع تحول الأعمال الروتينية إلى أسلوب أوتوماتيكي، سيتوقع العملاء -وبحق- من مستشاريهم تكريس وقت أقل لإعداد المعلومات، ووقت أكبر لتفسيرها، واختبار الفرضيات، ومساعدة العائلات على اتخاذ قرارات أفضل.
وأكد أن هذا التحول إيجابي في نهاية المطاف؛ إذ يتيح للمستشارين التركيز على النقاشات الأكثر أهمية، ويعزز دور الاستشارة الموثوقة في زمن أصبحت فيه المعلومات نفسها سلعة مشاعة.
هل يمكن للتكنولوجيا أن تحل محل المستشار المالي أم أنها ستظل مجرد أداة مساعدة؟
وحول ما إذا كانت التكنولوجيا قادرة على أن تحل محل المستشار المالي، أوضح شيفكومار روهيرا أن التكنولوجيا أضحت بارعة للغاية في تقديم الإجابات عن الأسئلة، غير أن التحدي الذي يواجه العائلات الثرية يكمن في أن القرارات الأكثر أهمية تبدأ غالباً قبل حتى أن يتشكل سؤال واضح ومحدد.
وأضاف أن العائلة التي تبحث في إمكانية إدماج الجيل القادم في الأعمال، أو كيفية توزيع المسؤوليات بين الأشقاء، أو التوقيت المناسب لنقل الملكية، لا تبحث عن المزيد من البيانات، بل عن الرؤية الثاقبة، وحسن التقدير، والمستشار الذي يستوعب الأبعاد المالية والشخصية لتلك القرارات على حد سواء.
وأشار إلى أن التكنولوجيا ستواصل تحسين الأبحاث الاستثمارية، ومراقبة المحافظ، والرفع من الكفاءة الإدارية؛ وهذا بدوره يمنح المستشارين وقتاً أطول للتركيز على الحوارات التي تتطلب الخبرة والحكمة والتكتم، وفهم الظروف الخاصة بكل عائلة.
وأكد أن دور المستشار المالي يزداد قيمة وأهمية لا العكس؛ فكلما أصبحت المعلومات متاحة للجميع، زادت قيمة المستشار القادر على مساعدة العائلات في قراءتها، وتحدي أفكارها عند الحاجة، واتخاذ القرارات بثقة على المدى الطويل.

نصيحة للعائلات والمستثمرين لبناء ثروة مستدامة للأجيال القادمة
وفيما يتعلق بالنصيحة التي يقدمها للعائلات أو المستثمرين الساعين إلى بناء ثروة مستدامة للأجيال القادمة، أوضح شيفكومار روهيرا أنه يحث العائلات دائماً على التفكير فيما يريدون لثروتهم أن تحققه بعد 20 أو 30 عاماً من الآن. والجواب نادراً ما يكون مجرد محفظة استثمارية أكبر حجماً، بل يتجسد غالباً في منح الأجيال القادمة حرية اتخاذ قرارات صائبة، واقتناص الفرص، والحفاظ على القيم التي كانت سبباً في نجاح العائلة.
وأضاف أن هذا يتطلب تفكيراً يتجاوز مجرد العوائد الاستثمارية؛ إذ ينبغي للعائلات إجراء حوارات مفتوحة حول التعاقب الجيلي، وإشراك الجيل الجديد مبكراً، ومساعدتهم على إدراك الفرص والمسؤوليات المصاحبة للثروة في آن واحد. وتكون هذه النقاشات أسهل بكثير عندما تجري على مدى سنوات ممتدة، بدلاً من طرحها في لحظات الانتقال الإجبارية.
وأشار إلى أنه من المنظور الاستثماري، يظل الصبر أحد أكبر المزايا التنافسية التي تمتلكها العائلات. فالأسواق ستمر دائماً بفترات من عدم اليقين، لكن القرارات المدفوعة بالخوف أو الانفعال نادراً ما تثمر نتائج جيدة على المدى الطويل.
كما دعا العائلات إلى إدراك أن كل جيل سيترك بصمته الخاصة؛ فالظروف تتغير، والفرص تتطور، والقرارات التي يواجهونها ستختلف عما واجهه الجيل الذي سبقهم. وإن إعدادهم للتفكير المستقل واتخاذ قرارات متأنية هو أحد أثمن الاستثمارات التي يمكن للعائلة أن تقوم بها.
اختلاف توجهات المستثمرين في الخليج عن أوروبا وآسيا
وحول اختلاف توجهات المستثمرين في منطقة الخليج العربي عن نظرائهم في أوروبا أو آسيا، أوضح شيفكومار روهيرا أن لكل منطقة قصتها الخاصة في صناعة الثروة؛ ففي منطقة الخليج، تُعزى غالبية الثروات الخاصة الحالية إلى العقود القليلة الماضية عبر ريادة الأعمال، والشركات العائلية، والنمو الاقتصادي الإقليمي. وهذا يعني غالباً استمرار المشاركة الوثيقة للعائلات في القرارات التجارية والاستثمارية، وأحياناً عبر عدة أجيال متتابعة.
وأضاف أن التحول الحقيقي يكمن في الرؤية؛ فالمستثمرون في الخليج باتوا يتبنون نظرة عالمية متزايدة في التعاطي مع رؤوس الأموال. وتنظر الكثير من العائلات اليوم إلى العالم أجمع كبيئة لاستثماراتها، مع الإبقاء على دولة الإمارات أو منطقة دول مجلس التعاون الخليجي كمركز رئيسي لأعمالها ومصالحها العائلية.
وأشار إلى أن العائلات في أوروبا تمتلك غالباً أطراً أكثر ترسيخاً للحوكمة بحكم إدارتها للثروات العابرة للأجيال لفترات أطول بكثير. أما في آسيا، فتسود ذهنية ريادية قوية، حيث تعمل العديد من العائلات بنشاط على بناء وتوسيع نطاق أعمالها. وهذه انطباعات عامة وليست سمات ثابتة، لكنها تؤثر بوضوح على كيفية مقاربة العائلات للاستثمار والتخطيط طويل الأجل.
كما أوضح أن هناك تبادلاً متزايداً للأفكار بين المناطق؛ فالعائلات الخليجية تبنت ممارسات الحوكمة الشائعة في أوروبا، في حين تنجذب العديد من العائلات الدولية إلى ثقافة ريادة الأعمال في الخليج، وتنظر ببالغ الاهتمام إلى المنطقة كقاعدة طويلة الأجل لأعمالها واستثماراتها.




