في أوقات الأزمات الوجودية، لا تبحث الدول العميقة عن خطباء مفوهين، بل تبحث عن رجال موثوقين لحماية الهيكل من الانهيار. ومع إعلان المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحت النظام عن اختيار “مجلس صيانة الدستور” لآية الله علیرضا اعرافی ليمثله في “مجلس القيادة المؤقت” (تفعيلاً للمادة 111 من الدستور)، سُلطت الأضواء فجأة على رجل أمضى عقوداً في هندسة النفوذ الإيراني بهدوء بعيداً عن صخب الكاميرات.
دخوله اليوم في الترويكا الحاكمة، إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية، لسد الفراغ الذي خلفه مقتل المرشد الأعلى، يطرح سؤالاً جوهرياً: من هو علي رضا أعرافي؟ وهل أُتي به ليكون مجرد “جسر” يعبر بالنظام هذه المرحلة الحرجة، أم أنه يُحضّر لارتداء عباءة “الولي الفقيه” بشكل دائم؟
ولد علي رضا أعرافي عام 1959 في مدينة میبد بمحافظة يزد، لأسرة دينية. تقدم الرواية الرسمية والده، آية الله محمد إبراهيم اعرافی، كأحد المقربين من مؤسس الجمهورية آية الله روح الله الخميني، وهي علاقة يرى محللون غربيون أنه جرى تضخيمها عمداً في العقود الأخيرة لتعزيز المؤهلات الثورية للابن. ورغم هذا الإرث، لم يكن اعرافی يوماً رجل شارع، بل طالباً استثنائياً تتلمذ في حوزة قم على يد كبار مراجع الشيعة وفلاسفتهم، أمثال آية الله جوادي آملي ومحمد تقي مصباح يزدي.
لكن ما يميزه حقاً عن الجيل القديم من رجال الدين هو امتلاكه أدوات العصر. فهو يجيد اللغتين الإنجليزية والعربية بطلاقة، ويُعرف عنه إلمامه العميق بالتكنولوجيا، حيث يدعو باستمرار لتوظيف “الذكاء الاصطناعي” لنشر الأيديولوجية الإيرانية عالمياً، مما يجعله مزيجاً نادراً بين الفقيه التقليدي والمدير الحديث.
لم يبرز اسم اعرافی كسياسي تقليدي، بل كمهندس للقوة الناعمة الإيرانية في الخارج. فقد تولى لنحو عقد من الزمان (2009-2018) رئاسة “جامعة المصطفى العالمية”، وهي المؤسسة الأبرز في استراتيجية تصدير الثورة والمكلفة باستقطاب وتدريب الآلاف من رجال الدين غير الإيرانيين. هذا الدور الدولي منحه ثقلاً دبلوماسياً استثنائياً، تُوج في مايو 2022 بزيارة نادرة للفاتيكان ولقاء خاص مع البابا فرنسيس، في لفتة دبلوماسية غير مسبوقة لرجل دين إيراني من الصف الأول.
غير أن هذا الوجه الأكاديمي والدبلوماسي الناعم يخفي خلفه ارتباطاً وثيقاً بالجهاز الأمني الخشن. فإلى جانب مناصبه الدينية، تولى اعرافی رئاسة قوات “الباسيج” (التعبئة الشعبية) شبه العسكرية. وقد تجلى موقفه المتشدد بوضوح إبان قمع انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، حين أطلق تصريحه الشهير متوعداً المحتجين: “من يهاجم عمائم رجال الدين، فليعلم أن العمامة ستصبح كفنه”، وهو الموقف الذي دفع كندا إلى إدراجه ضمن قوائم العقوبات الدولية.
هذا المزيج من القوة الناعمة والخشنة مهد لصعوده الهادئ لاحتكار أهم مفاصل المؤسسة الدينية والرقابية. فبقرار من خامنئي، عُين في عام 2019 عضواً في “مجلس صيانة الدستور” القوي، إلى جانب شغله منصب مدير الحوزات العلمية في عموم إيران، وإمام صلاة الجمعة في قم، وعضوية المجلس الأعلى للثورة الثقافية. والأهم من ذلك، موقعه الاستراتيجي في “مجلس خبراء القيادة”؛ ففي انتخابات مارس 2024، حل اعرافی في صدارة الفائزين في العاصمة طهران بأكثر من 888 ألف صوت، ليصبح النائب الثاني لرئيس المجلس، ويقف في قلب الدائرة الضيقة التي ستحدد هوية المرشد القادم.
في هذه اللحظة الفارقة، يُعتبر اختيار اعرافی لتمثيل الجناح الفقهي في “مجلس القيادة المؤقت” خطوة محسوبة بدقة. ورغم أنه لا يمتلك قاعدة سياسية أو أمنية مستقلة تجعله نداً قوياً لجنرالات الحرس الثوري، إلا أن ولاءه المؤسسي المطلق يجعله شخصية “إجماع” مثالية؛ فهو مقبول من الأجهزة الأمنية لصرامته، ومحترم من المؤسسة الدينية في قم لغزارة علمه.
سواء انتهت هذه المرحلة بتثبيته كـ “مرشد أعلى” من قبل مجلس الخبراء، أو باختياره ليكون واجهة دينية تضفي الشرعية على نظام يديره الحرس الثوري فعلياً، فإن علیرضا اعرافی قد خرج رسمياً من الظل. الرجل الذي هندس القوة الناعمة وقاد ميليشيا الباسيج في صمت، يجد نفسه اليوم أمام المهمة الأثقل: إنقاذ النظام من الانهيار الداخلي وسط عاصفة من النيران.



