أعلن الفاتيكان أن البابا ليو الرابع عشر سيزور لبنان في الفترة من 30 نوفمبر إلى 2 ديسمبر 2025، في أول جولة خارجية له بعد انتخابه.
وهذه الزيارة جاءت تلبية لدعوة رسمية من الرئيس اللبناني وقيادات الكنائس المحلية.
والزيارة تعتبر هامة من الناحية الرمزية: لبنان يُنظر إليه في خطاب البابا والرئاسة اللبنانية كـ “رسالة” في الشرق الأوسط، نظراً لتنوعه الطائفي والدين.
زيارة تاريخية
قال المحلل السياسي اللبناني جورج العاقوري لمنصة “لنا” إن زيارة البابا ليو إلى لبنان هي زياة تاريخية بكل المقاييس لما لها من أبعاد سياسية ودينية ومجتمعية، وتحمل رسالة تتمثل بتأييد لبنان والمنطقة كما تؤكد أن الدول والقوانين هي الكفيلة بصون حقوق كافة أبنائها وأن تؤمن العدالة المجتمعية فيما بينهم وهذا ما يتوق له لبنان وتتوق له المنطقة، بأن تطغى المواطنة على سائر الحسابات.
الأبعاد السياسية – تفجير مرفأ بيروت
من جهته قال مفوّض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني عبدالله ملاعب لمنصة ” لنا“.
نريد لبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه لا ملجأ للطوائف، غنيٌ بتركيبته المميزة، وزيارة البابا لاوون الرابع عشر التي ستتضمن لقاءً مع ممثلي الطوائف كافة، تؤكد رسالة لبنان ودوره المحوري ألا وهي واحة للتلاقي والحوار.
ولكننا في السياق عينه، وبعد علمنا بأن البابا لاوون الرابع عشر سوف يُقيم صلاةً في مرفأ بيروت، نغتنم الفرصة واللفتة المشكورة من البابا لنسأل القضاء اللبناني أين أصبحت تحقيقات مرفأ بيروت، أو جريمة العصر؟ أين أصبحت العدالة؟ ونسأل كحزب أيضا عن التحقيقات بمقتل جو بيجاني الذي كان يملك وثائق وصور للمرفأ.
النسيج المجتمعي اللبناني ودلالات الزيارة
لبنان، بطبيعته الطائفية المتعددة (مسيحيين من طوائف مختلفة، مسلمين، مكونات أخرى)، يمثل نموذجًا مميزًا للعيش المشترك. و كثيرون ينظرون إلى الزيارة البابوية كمؤشر على دعم الفاتيكان لهذا التعايش، وخاصة في ظل الأزمات المتكرّرة (اقتصادية، سياسية، نزوح، هجرة).
ووصف رئيس الجمهورية اللبناني الزيارة بأنها “إشارة إلى وحدة جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين.”
دعم شرائح المجتمع
• الكنائس المحلية، خصوصًا الكاثوليكية والمارونية، ترى في زيارة البابا دعمًا مباشرًا لوجودهم في بلدهم المتأزم.
• زيارة البابا هي أيضًا مناسبة روحية: من المتوقع أن يكون هناك قدّاسات جماهيرية، لقاءات دينية، وتعزيز الروحانية المسيحية في بلد يعاني من نزيف بشري وهجرة.
• هذه الزيارة تأتي في “مرحلة صحوة لبنانية”، حيث يُمكن أن تساهم في تجديد الإيمان بالمسؤولية الكنسية والمجتمعية.
رسالة بابا الفاتيكان لشباب لبنان
واحدة من أبرز التحديات التي يواجهها لبنان هي هجرة الشباب والهجرة بشكل عام، سواء للبحث عن فرص أفضل أو كاستجابة لأزمة اقتصادية ومعيشية. زيارة البابا قد تساهم في معالجة هذا التحدي بعدة أبعاد:
1. رمزية الأمل
• حركة “لبنان الشباب” رحّبت بالزيارة، ووصفتها بأنها “رسالة رجاء” للشعب اللبناني المتعب، خاصة للشباب الذين يفكرون بالمغادرة.
• وجود زعيم روحي عالمي مثل البابا في لبنان يُبعث برسالة مفادها أن العالم يراقب لبنان، وأن هناك دعمًا روحيًا وأخلاقيًا للبقاء والعمل من داخل الوطن.
2. تعزيز الانتماء الوطني والهوية
• التواجد البابوي يعزز فكرة أن لبنان ليس مجرد بلد سياسي، بل “أرض رسالة” ذات قيمة روحية وثقافية. هذا يمكن أن يعيد ترسيخ الهوية الوطنية بين الشباب المسيحي وغيره، ويخفف من الشعور بالإحباط أو الاغتراب.
• من خلال اللقاءات الدينية واللقاءات مع القادة الكنسيين، قد يُحث الشباب على المشاركة الفعلية في المجتمع، سواء من خلال العمل الاجتماعي، الكنيسة، أو المشاريع الشبابية.
3. دعوة للسلام والاستقرار
• من المتوقع أن يركّز البابا في خطاباته على السلام والتعايش، ما قد يدعم مشاريع المصالحة بين مكونات المجتمع اللبناني.
• الاستقرار المجتمعي الديني والسياسي يمكن أن يقلل من دوافع الهجرة: إذا شعر الشباب بأن هناك أمل في مستقبل مستقر في لبنان، فقد يكونون أقل ميلاً للمغادرة.
4. القوة الناعمة والدعم الدولي
• زيارة البابا تُعدّ بمثابة دعم دولي روحي وثقافي، وقد تُترجم إلى دعم منظمات دولية أو كنسية لمبادرات شبابية في لبنان.
• يمكن للكنيسة والفاتيكان أن تلعب دورًا في التمويل أو التشجيع لمشاريع شبابية، تعليمية، أو تنموية في لبنان، مما يوفر بدائل للشباب بدلاً من الهجرة.

وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل لمنصة “لنا” إلى أن نداء البابا للشباب في لبنان يلقى أثرًا معنويًا وفكريًا يدفعهم للتفكير في عدم الهجرة أو التفكير في العودة والاستقرار. من جهة أخرى، يجب أن تبذل السلطات جهداً لإقناع الشباب أن هناك فرص عمل حقيقة، مع أهمية الاستقرار الأمني والخدمات العامة كأساس لذلك.
تُظهر الجهات المختصة أن البنية التحتية في لبنان تحتاج إلى تطوير وتنظيم حقيقي،، الاستثمار في بنية تحتية متطورة يساهم في جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد، خصوصاً عبر خدمات الاتصالات والإنترنت السريع. ويؤكد الخبراء على ضرورة تحسين الحكم الرشيد، مكافحة الاحتكارات، وضمان شفافية القرارات والتنفيذ.
هذه الإجراءات هي الأساس لتحقيق استقرار دائم واستقطاب الشباب للعودة وللعمل بمحيط آمن ومستقر يخدم مصلحة لبنان ويلبي طموحات أجياله القادمة.
أسباب هجرة الشباب
قال الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل لمنصة “لنا”
إن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل كبير على ثقة المستهلك والمستثمر، وأي صدمة سياسية أو أمنية تؤثر سلبًا على هذه الثقة، مما ينعكس مباشرة على استهلاك الأسر والاستثمارات. ومؤشر “بونج بيبلوس” لثقة المستهلك في لبنان يُظهر أن ثقة المستهلك تتأثر إيجابياً بالاستقرار السياسي والأمني وتضعف مع الصدمات والتداعيات السلبية، وقد ضمّن هذا الاتجاه من عام 2006 حتى نهاية 2020، حيث كانت الصدمات السلبية أكثر عدداً وأشد تأثيراً من الإيجابية.
تأثير انفجار مرفأ بيروت
وأضاف الدكتور غبريل إن الهجرة في لبنان شهدت استقراراً بين 2000 و2005، لكنها عادت للارتفاع بعد حرب 2006 مع إسرائيل، حيث تفاقمت بشكل كبير عقب الأزمة الاقتصادية في 2019، وخاصة بعد انفجار مرفأ بيروت، الذي مثل نقطة تحول زادت من هجرة الشباب. والشباب اللبناني بسبب وجود شهادات جامعية وروابط عائلية بالخارج، يجد فرصاً أفضل في الخارج رغم أن أزمة لبنان دفعتهم لذلك، خصوصاً مع ارتفاع كلفة المعيشة مثل الكهرباء والمياه والرشاوى بسبب ضعف الخدمات والبنية التحتية وسوء إدارة الأسواق.
الأهل يشجعون على الهجرة
وتابع أن هناك ظاهرة جديدة من تشجيع الأهل لأولادهم على الهجرة للبناء المهني وتطوير مسيرتهم خارج لبنان ظهرت منذ الأزمة، رغم أن تغيرات جيوسياسية في 2025 قد تعطي بصيص أمل للعودة والاستقرار. الجامعات تخرج أعداداً تفوق ما يستوعبه سوق العمل، والتقلبات السياسية والأمنية المستمرة تزيد الضغوط.
تحويلات المغتربين
وأوضح الدكتور غبريل أنه على الرغم من ذلك، تبقى تحويلات المغتربين إلى لبنان مرتفعة جداً، حيث بلغت حوالي 6.4 مليار دولار في 2024، كما أن الحركة السياحية تعتمد بشكل كبير على اللبنانيين المغتربين. يدعو الخبراء إلى بناء استقرار سياسي وأمني قوي مع تحسين الخدمات العامة والبنية التحتية، وإصلاح القضاء، لمساعدة استعادة ثقة الشباب وتشجيعهم على العودة والاستقرار في وطنهم.
تلعب الرؤية المحلية المستقرة والشاملة دورًا محورياً في عودة الشباب وبناء مستقبل مستدام واقتصاد نابض بالحياة في لبنان
إجراءات حكومية
الحلول من وجهة نظر الدكتور غبريل تبدأ محلياً مع السلطات اللبنانية بالعمل على الاستقرار وبث سلطة الدولة على كافة أراضيها، مع احتكار الدولة اللبنانية والسلطات الشرعية لقرار الحرب والسلم. كما يجب تطبيق القوانين وحكم القانون، وأن يكون هناك قضاء فعال ومستقل يعطي المواطن حقه. ولا بد من توفير خدمات عامة جيدة نوعية وبكلفة معقولة مثل البنية التحتية، من كهرباء وطرقات وتحسين الاتصالات والإنترنت.
بالإضافة إلى تحسين صورة لبنان في الخارج، لا سيما بين المغتربين اللبنانيين، وتشيجع على مشاريع جديدة وتوسيع الشركات القائمة، مما يخلق فرص عمل ويجذب شركات من الخارج. رغم أن الشباب يرغبون في زيارة لبنان أثناء الأعياد والمواسم، إلا أن الإقامة المستدامة تتطلب وجود حافظ اقتصادي وأمني وخدماتي.




