في جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت في نيويورك في أغسطس 2025، أطلق عمار بن جامع، الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، رسالة قوية وصريحة حمّل فيها الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية تعطيل السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ركّزت كلمة الجزائر على الوضع المتدهور في غزة، وشددت على ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته التاريخية والإنسانية في وقف الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني، مؤكدًا “أن إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب وتجاهل القانون الدولي يهددان منظومة الأمن الدولي برمتها”.
خلفية موقف الجزائر في الأمم المتحدة
شكلت الجزائر دومًا عنوانًا للدفاع عن القضايا العادلة، وخصوصًا القضية الفلسطينية، استنادًا إلى خبرتها الوطنية في مقاومة الاستعمار وفهمها العميق لآثار الاحتلال على الشعوب. عمار بن جامع، الدبلوماسي المخضرم، مثّل الجزائر في عواصم كبرى وشغل مناصب رفيعة قبل توليه رئاسة البعثة الجزائرية بالأمم المتحدة، وعُرف بمواقفه الداعمة للشرعية الدولية والدعوات المباشرة لإحياء دور القانون الدولي في حل النزاعات.
مضمون كلمة بن جامع أمام مجلس الأمن
افتتح بن جامع كلمته بالتنديد الشديد بـ”الجحيم الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة”، واعتبر تهجير السكان والتدمير المنهجي للمدن الفلسطينية جريمة كبرى تستوجب المساءلة. قال: “إسرائيل لا تأبه بالقانون الدولي ولا بهذا المجلس ولا حتى بالإنسانية نفسها، فهي تحرم الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية وتتحرك بوحشية”، لافتًا إلى أن أهداف الاحتلال واضحة وهي دفع السكان لمغادرة وطنهم قسرًا.
وأضاف أن قتل أكثر من 62 ألف فلسطيني في قطاع غزة وحده خلال سنوات الحصار يمثل جرحًا مفتوحًا على جبين المجتمع الدولي. أعرب الدبلوماسي الجزائري عن قلق بلاده من مساعي الاحتلال لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية بتغيير التركيبة الديموغرافية للقطاع من خلال التهجير القسري والتجويع، مؤكدًا أن الفلسطينيين رغم حجم النزيف سيواصلون الصمود ولن يتخلوا عن وطنهم وحقوقهم.
الدعوة لمحاسبة قادة الاحتلال ومطالبات عملية
أكد بن جامع في كلمته أن “رسم الخريطة بالمجازر يجب ألا يمنح القاتل الإفلات من العقاب، بل يجب أن يحاسب كما تنص العدالة الدولية”. واعتبر أن استمرار صمت المجتمع الدولي وتهاون مجلس الأمن شجعا الاحتلال على التمادي في سياساته القمعية. وشدد على أن ما يجري في غزة “ليس فقط أزمة إنسانية عابرة، بل جريمة إبادة منظمة تشكل عارًا على منظومة العدالة الدولية إذا تُركت من دون محاسبة”.
وطالب باسم الجزائر بتحرك عاجل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفرض عقوبات رادعة على سلطات الاحتلال، ودعم المبادرات القانونية أمام محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية لمحاسبة كل من يثبت تورطه في جرائم حرب أو تطهير عرقي أو عمليات تهجير جماعي. كما دعا الاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى إلى دعم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة وعاصمتها القدس.
إشادة ودعم عربي ودولي
سجلت الكلمة الجزائرية صدىً لافتًا بين وفود عربية وأفريقية وآسيوية داخل مجلس الأمن، حيث تكاملت مع بيانات رسمية من دول عدة طالبت برفع الحصار عن غزة، وفتح ممرات إنسانية مستقلة، وإلزام الاحتلال بالامتثال للشرعية الدولية. وأشاد الدبلوماسيون بكلمة بن جامع، معتبرينها من أكثر المداخلات وضوحًا في تحميل الاحتلال المسؤولية ومطالبة المجتمع الدولي بالتخلي عن سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع ملف فلسطين.
تجديد التزام الجزائر ودعوة لإنقاذ غزة
كرّر ممثل الجزائر الرفض القاطع لأي حلول تجميلية أو مسكنات، مشددًا: “نطالب بنفاذ العدالة لا بإدارة الأزمة، ونعرف من واقع تجربة بلادنا مع الاحتلال أن التحرر مشروع لا يُهزم بالعنف أو التجويع”. كما توجه بن جامع إلى القوى الكبرى “لا يمكن لهذه القاعة أن تواصل إدارة أزمات المنطقة عبر البيانات والتعازي”، وذكرهم بمسؤوليتهم في كسر دائرة الإفلات من العقاب وبناء سلم دائم مبني على احترام الحقوق الوطنية وضمان مبدأ تقرير المصير.
خاتمة
تعكس كلمة ممثل الجزائر حيوية الحضور العربي في مجلس الأمن، إذ شددت الجزائر على أهمية وحدة الموقف الدولي وتغليب صوت العدالة على حسابات النفوذ، مؤكدة أن الأمن والسلام في الشرق الأوسط لا يبدأ إلا بزوال آخر مظاهر الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة. يظل الموقف الجزائري صريحًا وملتزمًا، داعيًا إلى تحرك جماعي لإنقاذ غزة والمنطقة من دوامة العنف والعدوان، ومتطلعًا لدور أممي حقيقي يترجم أقوال المنظمة إلى أفعال تعيد للمنطقة توازنها وأمنها.