لا تبدو الدورة السادسة والسبعون من مهرجان برلين السينمائي مجرد محطة تنافسية عابرة في روزنامة المهرجانات الدولية، بل تأتي هذه المرة بوصفها محاولة جادة لإعادة تثبيت موقع المهرجان داخل الخريطة العالمية للسينما الفنية، بعد سنوات من الارتباك الإداري والتذبذب البرمجي، انعكست على صورته لدى النقاد وصنّاع الأفلام على حد سواء. ومع تولّي تريشيا تاتل الإدارة العام الماضي، لم يعد الرهان محصوراً في استعادة الوهج الإعلامي، بل في إعادة بناء الثقة مع السينمائيين، وطرح برمجة قادرة على استعادة الدور التاريخي للبرليناله كمنصة للأسئلة السياسية والجمالية والإنسانية الكبرى.
في رؤيتها المعلنة، تؤكد تاتل أن المهرجانات اليوم تمثل خط الدفاع الأخير عن السينما المستقلة في مواجهة هيمنة المنصات الرقمية، حيث تحوّلت المشاهدة إلى فعل فردي معزول، يفقد فيه الفيلم جزءاً من طاقته الحوارية والجماعية.

هذا الوعي ينعكس بوضوح في قائمة المسابقة الرسمية التي تضم 22 فيلمًا من 28 دولة، عُرض معظمها للمرة الأولى عالمياً، في تنوّع لا يهدف إلى الاستعراض العددي بقدر ما يسعى إلى بناء مشهد سينمائي متكامل، تتقاطع فيه الحساسيات الثقافية المختلفة حول أسئلة مشتركة، العائلة، الهوية، السلطة، الذاكرة، والخوف من فقدان المعنى في عالم سريع التحول.
اللافت أن عددًا كبيراً من أفلام هذه الدورة يعود إلى تفكيك فكرة العائلة بوصفها بنية هشّة لا ملاذًا آمناً، فيلم الافتتاح بالمسابقة الرسمية “تقليم شجيرة الورد” لكريم عينوز يضع أربعة أشقاء داخل فيلا معزولة، حيث يتحول الإرث إلى شرارة تكشف طبقات متراكمة من الغيرة والإنكار والصراعات المؤجلة، في بناء درامي يراهن على التوتر النفسي أكثر من الحدث الخارجي.
في السياق نفسه، يذهب فيلم “زوجتي تبكي” إلى تفكيك الصمت الزوجي عبر يوم اعتيادي يتحول تدريجيًا إلى مواجهة داخلية مع هشاشة العلاقة، بينما يرسم فيلم “الذباب” صورة دقيقة لعزلة إنسانية تتسلل إليها مشاعر التعلق والخوف والارتياب.
إلى جانب ذلك، تبرز أفلام تضع الفرد في مواجهة مباشرة مع السلطة والسياق السياسي، من دون الوقوع في المباشرة أو الشعارات، فيلم “رسائل صفراء” يتناول مصير زوجين فنانين يجدان نفسيهما فجأة تحت ضغط السلطة بعد حادث غامض، في اختبار قاسٍ لمعنى الالتزام وحدود الحرية الفنية. أما فيلم “الخلاص” فيغوص في نزاع قبلي قديم يعود إلى السطح، متقاطعاً مع رؤى دينية ملتبسة، ليطرح سؤال المصير الإنساني بين الإيمان والعنف، وبين البحث عن النجاة والانجراف نحو الهلاك.
في قلب هذا التنوع، يبرز الحضور العربي داخل المسابقة عبر الفيلم التونسي “بيت الحس” للمخرجة ليلى بوزيد، بوصفه أحد الأعمال الأكثر حساسية على مستوى المقاربة الإنسانية والحميمية. الفيلم يتتبع عودة ليليا من باريس إلى تونس لحضور جنازة عمها، لتجد نفسها في مواجهة عائلة لا تعرف الكثير عن حياتها الخاصة، ولا عن خياراتها العاطفية، فيما يطفو سر غامض مرتبط بوفاة العم، يفتح جراحًا قديمة تتعلق بالصمت والكتمان والذاكرة العائلية.
أهمية الفيلم لا تكمن فقط في تمثيل السينما العربية داخل واحدة من أعرق مسابقات العالم، بل في قدرته على الاشتغال على المسكوت عنه داخل المجتمعات المحافظة، من دون افتعال صدام أو خطاب مباشر، معتمداً على البناء النفسي للشخصيات، وعلى توتر التفاصيل الصغيرة التي تصنع الدراما الحقيقية.
حضور المرأة في هذه الدورة يتجاوز البعد العددي إلى اشتغال عميق على الجسد والذاكرة والهوية. فيلم “الملكة في البحر” يقارب المرض بوصفه اختبارًا قاسيًا للحب والرعاية والاستقلال، حيث تتحول العلاقة الزوجية إلى مساحة لإعادة تعريف معنى القرب والفقد، أما فيلم “نينا روزا” فيطرح سؤال الأصالة الفنية عبر رحلة تاجر فنون يسعى لكشف حقيقة طفلة رسامة، في منطقة رمادية تفصل بين العبقرية والاحتيال. ويأتي فيلم “على البحر” ليضع التعافي من الإدمان في مواجهة الماضي والصدمة والهوية المكسورة، في معالجة نفسية هادئة لكنها عميقة الأثر.

حتى أفلام الرسوم المتحركة والأنيمي لا تُقدَّم بوصفها مساحة ترفيهية، بل كوسيط رمزي لمعالجة القلق الاجتماعي والاقتصادي، كما في فيلم “فجر جديد”، حيث يتحول بحث شاب عن لغز مرتبط بوالده المختفي إلى استعارة عن انهيار الصناعة، والخوف من البطالة، وتآكل الذاكرة المهنية في عالم سريع الاستهلاك.
الذاكرة والتاريخ يحضران أيضاً في أكثر من عمل، من بينها فيلم “وردة” الذي يعود إلى قرية بروتستانتية معزولة في القرن السابع عشر، حيث يتحول الشك إلى أداة تفكيك للهوية الجماعية، وفيلم “وولفرام” الذي يستعيد ثلاثينيات القرن الماضي عبر رحلة أطفال يفرون من قسوة الاستعمار، في سرد يمزج البراءة بالقسوة التاريخية.
في المقابل، تمنح بعض الأفلام الموسيقى والفن دوراً علاجياً وتأملياً، كما في فيلم “الجميع معجبون ببيل إيفانز”، الذي يرسم بورتريه داخلياً لعازف بيانو يواجه الفقد عبر استعادة علاقته بالصوت والذاكرة، وفيلم “أكثر الرجال وحدة في المدينة” الذي يرافق موسيقياً مسناً وهو يحاول إنقاذ منزله، ليعيد اكتشاف أحلامه المؤجلة.
ما يجمع هذه الأعمال، على اختلاف لغاتها وأساليبها، هو رفضها للحلول السهلة والنهايات المغلقة، وإصرارها على إبقاء الأسئلة مفتوحة أمام المتفرج، السينما هنا ليست وسيلة للطمأنة، بل أداة للقلق الخلاق، ولإعادة التفكير في المسلمات، سواء تعلّق الأمر بالعائلة أو السلطة أو الجسد أو الذاكرة أو معنى الانتماء في عالم متحوّل.




