بعد أكثر من قرن على اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في وادي الملوك بالأقصر، يعود أحد أكثر ألغاز علم المصريات إثارة إلى الواجهة، بعدما كشفت دراسة جيوفيزيائية حديثة عن مؤشرات قد تدل على وجود ممرات وحجرات غير مكتشفة بالقرب من المقبرة الشهيرة KV62، وسط فرضية مثيرة للجدل بأن هذه المساحات قد تقود إلى مكان دفن الملكة نفرتيتي.
الدراسة الجديدة، التي نُشرت نتائجها في سبتمبر 2026، لا تعلن اكتشاف مقبرة نفرتيتي، ولا تؤكد حتى الآن وجود الحجرات بصورة قاطعة، لكنها تقدم بيانات جديدة أعادت إحياء نظرية طرحها عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز قبل أكثر من عشر سنوات.
أدلة جديدة حول مقبرة توت عنخ آمون
قاد الدراسة عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق ممدوح الدماطي، بمشاركة فريق من الباحثين، واستخدمت مجموعة من التقنيات الجيوفيزيائية لدراسة المنطقة المحيطة بمقبرة توت عنخ آمون.
وشملت عمليات البحث الرادار المخترق للأرض، إلى جانب قياسات الجاذبية الدقيقة وبيانات المقاومة الكهربائية السابقة، بهدف تكوين صورة أكثر تفصيلاً لما يوجد داخل الصخور من دون الحاجة إلى الحفر المباشر.
وبحسب الدراسة، تشير النتائج مجتمعة إلى احتمال وجود ما وصفه الباحثون بأنه «مجمع مخفي» من الممرات والغرف يرجع إلى فترة سبقت دفن توت عنخ آمون.
وتشير بعض القراءات إلى امتداد محتمل للمجمع لمسافة تتراوح بين 25 و30 متراً شمال مقبرة KV62، إلا أن طبيعة هذه الفراغات ومحتوياتها لم تُحسم بعد.
هل توجد غرفة مليئة بالكنوز؟
من أكثر النتائج إثارة للاهتمام ما أطلق عليه الباحثون اسم «Anomaly 7»، وهي منطقة منخفضة الكثافة تحتوي في داخلها على مساحة شبه مربعة ذات كثافة مرتفعة.
ويرى الباحث جورج بالارد، أحد المشاركين في الدراسة، أن الإشارة يمكن أن تتوافق مع غرفة تحتوي على أجسام أو مقتنيات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القياسات تعمل عند حدود قدرة الأجهزة على الكشف، وبالتالي لا يمكن اعتبارها دليلاً على وجود كنوز أو آثار حتى يتم فحص الموقع فعلياً.
واللافت أن الحجرات المفترضة لا تبدو، وفق القراءات الحالية، متصلة بمداخل أخرى معروفة، وهو ما يثير احتمال أنها، إن كانت موجودة بالفعل، ربما ظلت مغلقة منذ العصور القديمة.
لماذا يعتقد البعض أن نفرتيتي قد تكون هناك؟
بدأت القصة الحديثة عام 2015، عندما طرح نيكولاس ريفز فرضية مفادها أن مقبرة توت عنخ آمون قد تكون في الحقيقة جزءاً من مقبرة ملكية أكبر أُعدت في الأصل لامرأة من العائلة الملكية.
واستند ريفز إلى صور ومسوح عالية الدقة لجدران المقبرة، قال إنها تكشف آثاراً محتملة لمداخل أُغلقت بالجص ثم رُسم فوقها.
كما أثار الحجم الصغير نسبياً لمقبرة توت عنخ آمون وتصميمها غير المعتاد تساؤلات بين الباحثين منذ فترة طويلة.
فالمقبرة، التي اكتشفها عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922، تضم سلماً وممراً وحجرة أمامية وملحقاً وحجرة الدفن والخزانة، وتُعد صغيرة مقارنة بما قد يُتوقع لمقبرة ملكية من الأسرة الثامنة عشرة.
ويرى ريفز أن وفاة توت عنخ آمون المفاجئة في سن صغيرة ربما دفعت المسؤولين في ذلك الوقت إلى استخدام الجزء الخارجي من مقبرة موجودة بالفعل وتجهيزه سريعاً لدفن الملك الشاب.
ومن هنا جاءت الفرضية الأكثر إثارة: إذا كانت المقبرة الأصلية تخص امرأة ملكية سبقت توت عنخ آمون، فقد تكون هذه المرأة الملكة نفرتيتي.
لكن العلماء مختلفون
رغم الإثارة المحيطة بالنتائج الجديدة، فإن قضية الحجرات السرية ليست محسومة علمياً.
ففي عام 2018، أُجري مسح شامل باستخدام الرادار المخترق للأرض داخل المقبرة، ولم يجد الباحثون دليلاً يدعم وجود حجرات مخفية ملاصقة مباشرة لجدران KV62. ونُشرت نتائج هذا العمل لاحقاً في دورية Journal of Cultural Heritage.
أما الدراسة الجديدة فتستخدم مجموعة أوسع من تقنيات القياس وتبحث في نطاق أكبر حول المقبرة، وهو ما أعاد فتح النقاش.
ووصف عالم الآثار والمتخصص في الرادار كريستوفر غافني النتائج الجديدة بأنها مثيرة للاهتمام، لكنه قال إن المعلومات المتاحة لا تكفي للوصول إلى استنتاج نهائي. كما اعتبر عالم الجيوفيزياء بيتر ستايلز أن وجود حجرات يبدو ممكناً وفق بيانات الجاذبية الدقيقة، لكنه طالب أيضاً بمزيد من التفاصيل.
كما يعارض عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس فرضية أن توت عنخ آمون دُفن داخل مقبرة نفرتيتي، ويرى أن الاحتمال الأقرب هو أن KV62 ربما كانت مقبرة صغيرة أُعدت في الأصل لـ«آي»، الذي أصبح فرعوناً بعد وفاة توت عنخ آمون.
خطوة واحدة قد تحسم جزءاً من اللغز
ينتظر الباحثون حالياً موافقة المجلس الأعلى للآثار في مصر لإجراء مرحلة جديدة من البحث.
وفي حال الحصول على التصريح، قد يتم تنفيذ حفر محدود ودقيق يسمح بإدخال أجهزة وكاميرات صغيرة لاستكشاف الفراغات المفترضة من دون فتح أو إتلاف الجدران المزخرفة للمقبرة. وقال بالارد لمجلة Nature إن هذه المرحلة قد تبدأ في نوفمبر 2026 إذا حصل الفريق على الموافقات اللازمة.
هل نحن أمام اكتشاف مقبرة نفرتيتي؟
الإجابة حتى الآن: لا يوجد اكتشاف مؤكد لمقبرة نفرتيتي.
الموجود حالياً هو مجموعة جديدة من القياسات الجيوفيزيائية التي تشير إلى احتمال وجود بنية غير مكتشفة حول مقبرة توت عنخ آمون، إلى جانب أدلة معمارية وفنية يستخدمها أصحاب النظرية للقول إن KV62 ربما كانت جزءاً من مجمع جنائزي أكبر.
أما إثبات أن الحجرات موجودة بالفعل، ثم تحديد ما إذا كانت مقبرة ملكية، والأهم معرفة هوية صاحبها، فيحتاج إلى أدلة أثرية مباشرة.
ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة حاسمة: فإما أن تكشف الكاميرات عن امتداد جديد لمقبرة توت عنخ آمون وتفتح فصلاً غير مسبوق في تاريخ وادي الملوك، أو تضيف النتائج تفسيراً جديداً إلى لغز أثري مستمر منذ سنوات.
وفي الحالتين، وبعد 104 أعوام من اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون، يبدو أن KV62 لم تكشف بعد كل أسرارها.




