إن المكالمة الهاتفية التي جرت في يوليو الماضي بين دونالد ترامب ووزير المالية النرويجي تجسّد لحظة غريبة في السياسة العالمية. ففي خضم النقاش حول الرسوم الجمركية، انتقل الرئيس الأميركي فجأة ليسأل عن جائزة نوبل للسلام. إدخال هذه الطموحات “النوبلية” بشكل عرضي في محادثة تجارية يكشف عن جوهر رؤية ترامب للعلاقات الدولية: عروض مسرحية تُخاض بغرض حصد الجوائز.
المكالمة لم تكن استثنائية في مباشرتها، بل في توثيقها. مصادر عدة أكدت أن ترامب أثار موضوع نوبل في أحاديث سابقة مع ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف الناتو والذي يشغل الآن منصب وزير المالية. هذا الإصرار يحوّل ما قد يبدو تباهياً عابراً إلى ما يشبه حملة منظّمة: سعي حثيث للحصول على اعتراف مؤسساتي من نفس النخبة الأوروبية التي أمضى ترامب سنوات في معاداتها.
القواعد في مواجهة المسرح
ترشيحات جائزة نوبل للسلام تخضع لقواعد صارمة من السرية: تبقى الأسماء سرية خمسين عاماً؛ اللجنة لا تؤكد ولا تنفي الترشيحات؛ والترشيح لا يتطلب أكثر من شخص مؤهّل يقدّم اسماً. هذه المنهجية تهدف عمداً لعزل العملية عن الضغوط السياسية والعروض الإعلامية.
لكن عام 2025 شهد استعراضاً علنياً غير مسبوق لترشيحات معلنة. فقد أعلنت باكستان أنها ستقدّم ترامب عن دوره في الوساطة بوقف إطلاق النار مع الهند. وتبعتها كمبوديا بعد نزاع حدودي قصير مع تايلاند، مشيدة بـ “دبلوماسيته الرؤيوية والمبتكرة”. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد قيل إنه سلّم خطاب ترشيح خلال زيارته للبيت الأبيض.
النتيجة ديناميكية شاذة: اللجنة تلتزم الصمت بينما الحكومات تعلن ترشيحات قد تكون صحيحة أو غير موجودة أصلاً. وهكذا ينشأ “سباق ظلّ” يُدار علناً، فيما التحقق الرسمي مؤجَّل حتى عام 2075.
أقوى أوراق ترامب هي “اتفاقيات أبراهام” الموقعة في سبتمبر 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين، والتي توسعت لاحقاً لتشمل المغرب والسودان. هذه الاتفاقيات كسرت جموداً امتد عقوداً في الصراع العربي – الإسرائيلي عبر تطبيع العلاقات من دون حلّ القضية الفلسطينية. منذ ذلك الحين، تعمّقت الروابط التجارية، وتعزز التعاون الأمني، وصمد الإطار أمام اضطرابات إقليمية كبرى بما فيها هجمات حماس في أكتوبر 2023.
النائب النرويجي كريستيان تيبرينغ-غيده، الذي رشّح ترامب عام 2020، استند إلى هذه الاتفاقيات لتبرير ترشيحه، معتبراً أن ترامب “كسر سلسلة استمرت 39 عاماً من رؤساء أميركيين إما بدأوا حرباً أو أدخلوا الولايات المتحدة في نزاع دولي”. هذا الادعاء يستحق التدقيق، إذ شهدت فترة ترامب تصعيداً في الضربات بالطائرات المسيّرة واستمرار نزاعات مثل سوريا، إلا أن الاتفاقيات تمثّل بالفعل إنجازاً دبلوماسياً ملموساً.
أما محاولاته الأخيرة في الوساطة فقد أفرزت نتائج متباينة. فالنزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلاند في يوليو 2025 أوقع أكثر من 38 قتيلاً وشرّد أكثر من 300 ألف شخص، قبل أن ينجح ترامب في المساعدة على إرساء وقف إطلاق نار. مسؤولون تايلانديون نسبوا نجاح الوساطة إلى ضغوطه التجارية، إذ هدد بفرض رسوم تصل إلى 36% إذا لم يتحقق السلام. حتى الآن صمد وقف إطلاق النار، رغم شكاوى من خروقات مبكرة.
لكن ملف أوكرانيا يروي قصة أخرى: بعد أن وعد بوقف سريع لإطلاق النار، التقى ترامب بوتين في ألاسكا ليتخلى عن مطلب وقف النار لصالح صيغة “اتفاق سلام” يفضلها بوتين. هذا التراجع كشف تعقيدات كان ترامب قد تعهد بحلّها “خلال 24 ساعة”.
السوابق والشرعية
لطالما أثارت جائزة نوبل للسلام جدلاً. فتكريم هنري كيسنجر عام 1973 عن اتفاقية وقف إطلاق النار في فيتنام، والذي شاركه فيه لو دوك ثو من شمال فيتنام، ما يزال يوصف بأنه “أسوأ جائزة في تاريخ نوبل للسلام”. استقال عضوان من اللجنة احتجاجاً، واستؤنف القتال فوراً تقريباً. أما باراك أوباما، فقد حاز الجائزة عام 2009 بعد أقل من تسعة أشهر على توليه المنصب، ما أثار انتقادات واسعة لكون التكريم اعتمد على الطموح لا الإنجاز.
هذه السوابق تكشف استعداد اللجنة لمكافأة الوعود بقدر ما تكافئ الأفعال، وهو ميل يرى كثيرون أنه أضعف مصداقية الجائزة. فالوصية الأصلية لألفريد نوبل واضحة: الجائزة تُمنح لمن يعزز “الأخوة بين الأمم” ويعمل على “إلغاء أو تقليص الجيوش الدائمة” و”الترويج لمؤتمرات السلام”. وسجل ترامب يتقاطع مع هذه المعايير بشكل إشكالي، خاصة في ما يتعلق بتقليص الجيوش.
المخاطر على المؤسسة
ما يميّز حملة ترامب هو علنيتها. الخلافات السابقة ارتبطت بقرارات اللجنة، لا بضغط مباشر من المرشحين. أما ترشيحاته المزوّرة في 2018 فقد كانت نتيجة احتيال، لا حملات دعائية. لكن الضغط العلني من رئيس دولة أثناء ولايته يتجاوز خطوطاً مختلفة.
المكالمة مع وزير المالية النرويجي توحي بأن ترامب يرى عملية اختيار نوبل قابلة للتأثير مثلها مثل المفاوضات التجارية. وهو بذلك يتعامل مع الجائزة كسلعة سياسية أكثر منها اعترافاً أخلاقياً. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد تدفع قادة آخرين لانتهاج أسلوب مماثل، ما يحوّل الجائزة إلى ساحة تنافس نفوذ بدلاً من معيار للإنجاز.
أنشأ ألفريد نوبل جائزته للسلام لتكريم من يسعون إلى “الأخوة بين الأمم” – أي تغيير عميق في العلاقات الدولية، لا مجرد إدارة أزمات مؤقتة. اتفاقيات أبراهام تحقق بعض هذا المعنى، بينما تشير الوساطات الأخيرة إلى براعة تكتيكية أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً مستداماً.
لكن النهج الذي اتبعه ترامب – ممارسة الضغط الاقتصادي لانتزاع تنازلات دبلوماسية – أقرب إلى براعة إدارة الدولة منه إلى بناء سلام دائم. وهنا يكمن الامتحان: هل ستكافئ لجنة نوبل الحملات العلنية والضغوط السياسية، أم تحافظ على استقلاليتها المؤسسية؟
في زمن تتراجع فيه التعددية وتتصاعد النزعات السلطوية، تظل جائزة نوبل رمزاً قادراً على تحديد أي نماذج من العلاقات الدولية تستحق الاحتفاء. ومن ثم فإن على اللجنة أن تقاوم “المسرح”، وأن تتمسك بالمعايير التي تميز بين إدارة النزاعات وبين صناعة السلام الحقيقي.




