إغلاق المضيق يشعل أسواق الطاقة العالمية… والخبير خالد العوضي : المرحلة حسّاسة لكن قابلة للاحتواء

إغلاق المضيق يشعل أسواق الطاقة العالمية ويرفع المخاطر على الإمدادات والأسعار، لكن الخبير خالد العوضي يؤكد أن المرحلة حساسة لكنها ما زالت قابلة للاحتواء مع الحلول المتاحة

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

حذر خبير اقتصادي من أن إغلاق مضيق حيوي يهدد إمدادات النفط العالمية، مما قد يؤدي إلى صدمة عرض قاسية وارتفاع حاد في الأسعار. ورغم ذلك، أكد على قدرة المنظومة العالمية والإقليمية، خاصة الإمارات، على امتصاص جزء من الصدمة عبر المخزونات وخطوط النقل البديلة.

النقاط الأساسية

  • إغلاق مضيق حيوي يهدد 15-20% من إمدادات النفط العالمية ويؤثر على الأسعار والشحن.
  • المنظومة العالمية والإقليمية، بقيادة الإمارات، قادرة على امتصاص الصدمة عبر المخزونات وخطوط النقل البديلة.
  • التوترات الجيوسياسية هي المحرك الأبرز للسوق حالياً، مع تسريع التحول للطاقة البديلة.

حذّر الخبير الاقتصادي في شؤون النفط والطاقة، خالد العوضي، من أنّ إغلاق المضيق الحيوي الذي تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يمثّل “أقسى صدمة عرض” يتعرّض لها سوق الطاقة منذ عقود، لكنه شدّد في الوقت نفسه على قدرة المنظومة العالمية والإقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، على امتصاص جزء معتبر من هذه الصدمة عبر المخزونات الاستراتيجية وخطوط النقل البديلة والسياسات المرنة.

المشهد الحالي لسوق النفط واستقرار الإمدادات

أوضح العوضي أن إغلاق المضيق أدّى فعلياً إلى تعطيل ما بين 15 و20 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية، وهو ما انعكس سريعاً على الأسعار وحركة الشحن والتأمين البحري. وأشار إلى أن عدداً كبيراً من الشحنات بات عالقاً أو مضطراً للالتفاف عبر مسارات أطول مثل رأس الرجاء الصالح، بما يرفع كلفة النقل ويطيل زمن التسليم، ويزيد حالة عدم اليقين في السوق.

وبيّن أن هذا المستوى من التعطّل في الإمدادات كفيل بممارسة ضغط تصاعدي قوي على الأسعار في الأجل القصير، خاصة مع محدودية الطاقة الفائضة لدى العديد من المنتجين وقدرة خطوط الأنابيب الحالية على استيعاب كامل الكميات المحجوزة في الخليج. لكنه شدّد على أن الإفراج المنسّق عن المخزونات الاستراتيجية من قبل الدول الصناعية، إلى جانب محاولات إعادة توجيه جزء من الصادرات عبر موانئ بديلة وخطوط برية، يسهم في تقليص حدّة العجز ومنع حدوث اختناقات مادية أوسع.

مسار أسعار النفط في المدى القريب

يرى العوضي أن أسعار النفط دخلت بالفعل في موجة ارتفاعات حادّة مدفوعة بالخوف من نقص فعلي في البراميل المتاحة، وليس بالمضاربات وحدها، مع تجاوز الأسعار مستويات نفسية مهمّة وعودة سيناريوهات الثلاثة أرقام للواجهة. ويقدّر أن تبقى الأسعار في نطاق مرتفع ومتقلّب خلال الأشهر القليلة المقبلة، في ظل هشاشة ميزان العرض والطلب، مرجّحاً استمرار بقاء متوسط الأسعار أعلى من توقعات المحللين السابقة لعام 2026 بفارق ملحوظ.

Advertisement

وحول السيناريو الأقرب بين تصعيد متواصل في الأسعار أو استقرار تدريجي، يرجّح العوضي “مساراً مزدوجاً” يقوم على ذروة سعرية في حال استمرار الإغلاق لفصل أو فصلين، تتبعها مرحلة تصحيح مع أي مؤشرات لفتح الممر أو توسّع استخدام المخزونات وخطوط الأنابيب البديلة. ويشير إلى أن نماذج المؤسسات البحثية الدولية توضح أن الإغلاق لفصل واحد قد يدفع الأسعار إلى مستويات قريبة من 100 دولار للبرميل قبل أن تعاود الهبوط مع عودة الإمدادات، بينما يؤدي تمديد الإغلاق لربعين أو أكثر إلى مستويات أعلى تتجاوز 110–120 دولاراً قبل أن تنحسر تدريجياً.

الجيوسياسة أم أساسيات السوق؟

يؤكّد العوضي أن التوترات الجيوسياسية هي المحرّك الأبرز للسوق حالياً، حيث فقدت الأسعار ارتباطها التقليدي بفجوة العرض والطلب الضيقة وانتقلت إلى تسعير “مخاطر الانقطاع” و”أقساط المخاطر” الجيوسياسية. ومع ذلك، يلفت إلى أن أساسيات السوق لا يمكن تجاهلها بالكامل، إذ إن حجم العجز الفعلي في الإمدادات، ومستوى المخزونات التجارية والاستراتيجية، وسرعة استجابة الإنتاج من خارج المنطقة، كلها عوامل ستحدد مدى استدامة مستويات الأسعار المرتفعة.

ويضيف أن تباين التأثيرات إقليمياً – حيث تتعرض آسيا لصدمة أكبر بحكم اعتمادها المرتفع على نفط الخليج مقارنة بأوروبا وأمريكا – يخلق طبقات مختلفة من التسعير داخل السوق العالمية، مع اتساع فروقات الأسعار بين الدرجات والمناطق. ويشير إلى أن استمرار التوترات من دون انقطاع فعلي جديد قد يدفع السوق لاحقاً إلى مرحلة “تكيّف” يعود فيها التركيز تدريجياً إلى العوامل الأساسية مثل نمو الطلب العالمي وسياسات إنتاج كبار المنتجين.

الانعكاسات على الاقتصاد العالمي

لفت العوضي إلى أن الصدمة الحالية في أسعار الطاقة تأتي في توقيت حساس للاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف كلياً من آثار التضخم السابق ورفع أسعار الفائدة، ما يضاعف أثر أي ارتفاع جديد في أسعار النفط على النمو. وأوضح أن ارتفاع أسعار الوقود والشحن والطاقة الصناعية ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، بما يهدد بعودة موجة تضخمية جديدة ويضغط على القدرة الشرائية للأسر والشركات، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة.

Advertisement

وبحسب النماذج الاقتصادية المنشورة حديثاً، يمكن لصدمة نفطية بهذا الحجم أن تخصم ما يقرب من 2 إلى 3 نقاط مئوية من معدلات النمو السنوية في بعض الاقتصادات، إذا استمر الإغلاق أكثر من ربع سنوي واحد، مع بقاء مستوى الناتج دون مساره السابق لعدة سنوات. ويرى العوضي أن الاستجابة السياسية ستكون حاسمة، سواء عبر سياسات نقدية أكثر حذراً لتجنب خنق النمو، أو عبر دعم مستهدف للفئات الأكثر تأثراً بفواتير الطاقة وارتفاع كلفة المعيشة.

جاهزية الإمارات وانعكاس الأسعار محلياً

أشاد العوضي بجاهزية دولة الإمارات للتعامل مع مثل هذه الصدمات، مشيراً إلى أن الدولة استفادت خلال السنوات الماضية من استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة، وتنوّع المنافذ التصديرية، إضافة إلى تعزيز قدراتها التخزينية وتطوير سياسات تسعير مرنة. وأوضح أن الإمارات، بصفتها منتجاً ومصدّراً موثوقاً للنفط والغاز، تمتلك هوامش أوسع للمناورة مقارنة بالاقتصادات المستوردة بالكامل، سواء عبر إدارة إنتاجها أو عبر الاستفادة من العوائد الإضافية لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على القطاعات المحلية.

وحول احتمال تأثر أسعار الوقود محلياً في الفترة المقبلة، أوضح أن أي تغييرات ستعتمد على مدة الإغلاق وشدّة ارتفاع الأسعار العالمية، إضافة إلى آلية احتساب الأسعار المعمول بها محلياً والتي تراعي متوسطات الأسعار العالمية وعوامل محلية أخرى. ورجّح أنه في حال استمرار الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة مطوّلة، قد تظهر زيادات تدريجية في الأسعار المحلية، لكنها ستكون مدروسة ومتوازنة بهدف حماية المستهلك من التقلبات الحادة مع الحفاظ على استدامة السوق.

مستقبل سوق الطاقة والتحول البديل

يرى العوضي أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة سيعيد تشكيل خريطة سوق الطاقة العالمية، عبر تسريع إعادة توجيه التدفقات النفطية والغازية، وتعزيز دور بعض الموانئ وخطوط الأنابيب خارج منطقة المضيق، وتوسيع استخدام المخزونات الاستراتيجية كأداة توازن أكثر فاعلية. ويتوقع أن تزداد أهمية مصادر الإمداد من خارج المنطقة، بما في ذلك أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وغرب أفريقيا، مع فتح المجال أمام عقود طويلة الأجل وتأمينات جديدة لإدارة المخاطر.

Advertisement

كما يعتقد أن الأزمة الحالية ستسرّع وتيرة التحول نحو الطاقة البديلة، إذ تدفع الحكومات والشركات إلى تقليل اعتمادها على النفط والغاز المنقولين عبر ممرات بحرية حساسة، وتعزيز الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر وكفاءة الطاقة. غير أنه يشدّد على أن هذا التحول سيكون تدريجياً، وأن النفط سيظل جزءاً أساسياً من مزيج الطاقة العالمي لسنوات طويلة، ما يجعل أولوية المرحلة هي إدارة المخاطر وتعزيز أمن الإمدادات بالتوازي مع التحول لا بدلاً عنه.

الرسالة للأسواق والمستثمرين

اختتم العوضي بالتأكيد على أن الرسالة الأهم للأسواق والمستثمرين هي “تجنّب ردّات الفعل الانفعالية”، والتركيز بدلاً من ذلك على قراءة السيناريوهات المحتملة بهدوء، مع مراقبة مسار التطورات الجيوسياسية وخطوات الدول الكبرى والمنتجين الرئيسيين. ونصح مديري المحافظ والشركات الصناعية بالتركيز على إدارة المخاطر عبر تنويع مصادر التوريد، واستخدام أدوات التحوّط المالي، وعدم ربط القرارات الاستراتيجية بحركة الأسعار اليومية أو الأسبوعية.

وشدّد العوضي على أن قدرة السوق العالمية على التكيّف مع الصدمات، رغم حدّتها، أثبتت نفسها تاريخياً، وأن التعاون الدولي، والنضج المؤسسي للدول المنتجة والمستهلكة، يمكن أن يحول دون تحوّل الأزمة الحالية إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد في الاقتصاد العالمي.