في موقف جديد يسلّط الضوء على البعد الأخلاقي لحرب إيران المستمرة، شدد البابا ليو على أن التلويح بإبادة سكان إيران أو أي شعب آخر «غير مقبول» دينيًا وأخلاقيًا، محذرًا من الانزلاق نحو خطاب يمحو الفوارق بين الأنظمة والشعوب. البابا، الذي سبق أن وصف الحرب بأنها «عار على البشرية»، ندد بما سماه «العنف الفظيع» الذي يدفع المدنيين والأطفال ثمنه الأكبر، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى مسار سياسي يحفظ كرامة الإنسان أيًا كان انتماؤه.
من انتقاد الحرب إلى رفض تديين الكراهية
خلال عظات وتصريحات متتالية في مارس وأبريل، لم يكتفِ البابا ليو بمطالبة الأطراف بإنهاء العمليات العسكرية، بل وجّه انتقادًا مباشرًا للخطاب الديني الذي يحاول إضفاء شرعية على العنف. ففي إحدى رسائله، قال إن الرب «يرفض صلوات القادة الذين يشعلون الحروب وتغتسل أيديهم بالدم»، في إشارة إلى من يستخدمون لغة دينية وهم يقرّرون قصف مدن أو تشديد الحصار. كما حذر من تحويل حرب إيران إلى «معركة دينية» أو صراع وجودي بين شعوب، مؤكدًا أن إضفاء بعد عقائدي على الحرب يفتح الباب أمام كراهية عابرة للحدود يصعب إطفاؤها حتى بعد توقف القتال.
القانون الدولي والكرامة الإنسانية في قلب الرسالة
رسالة البابا تتقاطع مع مبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر العقاب الجماعي واستهداف المدنيين على أساس هويتهم القومية أو الدينية. التهديد بإبادة سكان دولة كاملة، حتى لو جاء في إطار خطاب سياسي متشنج أو ردًا على هجمات، يصطدم مباشرة مع حظر الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، ويقوّض الأساس الأخلاقي لأي «مبررات» عسكرية معلنة. من هذا المنطلق، يعيد الفاتيكان التذكير بأن الحرب – مهما اشتدت – يجب أن تبقى محكومة بقيود تحمي الإنسان الأعزل، وألا تتحول إلى تفويض مفتوح بمحو شعب من الخريطة أو شيطنته إلى درجة نزع إنسانيته.
الخوف من تطبيع خطاب الإبادة في الفضاء العام
ما يقلق الفاتيكان، بحسب محللين يتابعون خطاب البابا، ليس فقط ما يُتخذ من قرارات عسكرية على الأرض، بل ما يُقال في الفضاء العام من تبريرات وأوصاف. مع اتساع تأثير وسائل التواصل والمنصات الإعلامية، تصبح عبارات مثل «إبادة»، «محو»، و«تسوية مدينة بالأرض» جزءًا من اللغة اليومية لدى بعض الأصوات المتشددة، ما يطبع الأذن على قبول مستويات أعلى من العنف. تحذير البابا ليو هنا يستهدف هذا التطبيع؛ فهو يدعو المؤمنين وغير المؤمنين إلى عدم «التبلد» أمام صور القصف والدمار والقتل، وألا يسمحوا للغة القسوة أن تصبح عادية أو مقبولة لمجرد تكرارها.
مخاوف من اتساع دائرة الصراع والكراهية
من منظور جيوسياسي، يدرك الفاتيكان أن التهديد بإبادة سكان إيران أو شيطنتهم بالكامل لا يبقى حبيس حدود الحرب، بل ينعكس على ملايين المسلمين والشرقيين المقيمين في أوروبا والعالم. هذا النوع من الخطاب يغذي جماعات اليمين المتطرف، ويمنح الجماعات المتشددة على الجانب الآخر مادة دعائية تزعم أن الغرب يستهدف «الإسلام» أو «الشعوب الشرقية» ككل، لا أنظمة بعينها، ما يزيد احتمالات ردود الفعل المتطرفة والهجمات العنيفة المتبادلة. لذلك يصر البابا ليو على الفصل الواضح بين انتقاد سياسات الحكومات وبين شيطنة الشعوب، وعلى التذكير بأن كل إنسان «يظل إنسانًا قبل أن يكون مواطنًا لهذا البلد أو ذاك».
نداء إلى القادة: لا يمكنك أن تصلي بيدٍ وتقصف بالأخرى
في جوهر موقفه، يواجه البابا ليو تناقضًا يراه صارخًا: قادة يرفعون شعارات دينية، أو يتحدثون عن قيم أخلاقية، بينما يتخذون قرارات تؤدي إلى قتل مزيد من المدنيين أو إطلاق تهديدات تمحو الحدود بين المقاتل والطفل. عندما يقول إن الرب لا يستمع لصلوات من يشعلون الحروب، فهو يضع هؤلاء القادة أمام مرآة أخلاقية: لا يمكنك أن تطلب السلام بلسانك وتوقع أو تؤيد قرارات تصعيدية بيدك. وفي خلفية كل ذلك، يرسل الفاتيكان إشارة إلى المجتمع الدولي بأن مسؤولية ضبط الخطاب لا تقل أهمية عن مسؤولية ضبط السلاح، وأن منع «إبادة معنوية» في اللغة قد يكون شرطًا ضروريًا لمنع الكارثة على الأرض.




