السيناريوهات الأربعة لنهاية “الغضب الملحمي” (بين إسقاط النظام والصفقة الشاملة)

عقب ضربات مكثفة ومقتل قيادات إيرانية، تقف المنطقة أمام “نقطة اللاعودة”. يتأرجح المصير بين أربعة مسارات حتمية تحكمها لغة الأرقام والاقتصاد والقدرة على التحمل.

مجد البهو
مجد البهو

ملخص المقال

إنتاج AI

تتناول المقالة أربعة سيناريوهات محتملة لإنهاء الحرب بين إيران والقوى الغربية والإسرائيلية بعد قصف مكثف، وتشمل هذه السيناريوهات صفقة قسرية لنزع السلاح النووي، انقلاب عسكري داخلي، حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، أو انهيار شامل للدولة. يركز التحليل على العوامل الاقتصادية والسياسية وقدرة الأطراف على تحمل الخسائر لتحديد المسار الأكثر ترجيحًا.

النقاط الأساسية

  • الصفقة القسرية: تفكيك نووي مقابل بقاء النظام، مفضلة لواشنطن.
  • الانقلاب العسكري: الجيش ينقذ البلاد من الإبادة، حكم عسكري مؤقت.
  • حرب استنزاف: إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي بارتفاع أسعار النفط.

عندما تنقشع سحب الدخان التي خلفتها أكثر من ألف ومائتي قنبلة أُسقطت على إيران خلال أربع وعشرين ساعة فقط، سيجد صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وطهران أنفسهم أمام سؤال اليوم التالي: كيف تنتهي هذه الحرب؟ مقتل المرشد الأعلى ونحو أربعين قيادياً سياسياً وعسكرياً لا يعني تلقائياً انهيار الدولة الإيرانية، كما أن إطلاق طهران لمئات الصواريخ على عواصم الخليج وإسرائيل لا يعني قدرتها على قلب موازين القوى. الحرب وصلت إلى نقطة “اللاعودة الاستراتيجية”، ونهايتها لن تخرج عن واحد من أربعة مسارات حتمية، تتحكم فيها لغة الأرقام، والاقتصاد العالمي، وقدرة الأطراف على تحمل الألم.

لقراءة هذه المسارات بشكل علمي دقيق، نضع أولاً “مصفوفة السيناريوهات” التي توضح احتمالية وتكلفة كل خيار، قبل الغوص في تشريحها المعمق:

السيناريو الاستراتيجيالمحرك الأساسي (Trigger)التكلفة الاقتصادية والميدانيةاحتمالية التحقق
الصفقة القسرية (نزع المخالب)ضغط ترامب الزمني وموافقة القيادة الإيرانية البراغماتية بقيادة لاريجاني.توقف نزيف الأسواق، وتفكيك نووي كامل مقابل بقاء هيكل النظام المدني.مرتفعة (الخيار المفضل لواشنطن لتجنب الغرق في مستنقع جديد).
الانقلاب العسكري الداخليتحرك الجيش النظامي استجابة لعرض الحصانة الأمريكي لتجنب إبادة البلاد.حرب شوارع دموية مع بقايا الحرس الثوري، وانهيار أمني مؤقت.متوسطة إلى مرتفعة (تعتمد على مدى تماسك المؤسسة العسكرية الكلاسيكية).
حرب استنزاف إقليمية مفتوحةسيطرة غلاة المتشددين وتوسع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والضربات المتبادلة.النفط يتجاوز 100 دولار للبرميل، شلل الطيران العالمي، وتدمير متبادل للبنية التحتية.متوسطة (سيناريو الكارثة الذي تحاول كل الأطراف الدولية تجنبه).
إسقاط النظام وبناء “إيران الجديدة”انهيار كامل للدولة لصالح حكومة بديلة (خيار تغيير النظام من الجذور).تكلفة تريليونية لواشنطن، وحالة تشظٍ جغرافية وأمنية يصعب السيطرة عليها.ضعيفة جداً (تصطدم برفض شعبي أمريكي كاسح لخوض حروب بناء دول).

السيناريو الأول: الصفقة القسرية وتفكيك المشروع النووي

رغم ضراوة القصف، فإن القراءة الدقيقة لتصريحات الإدارة الأمريكية تكشف أن الهدف ليس بالضرورة “تغيير النظام”، بل “نزع مخالبه” عسكرياً ونووياً. الرئيس الأمريكي حدد إطاراً زمنياً تتراوح مدته بين أربعة إلى خمسة أسابيع فقط لإتمام العملية. في المقابل، يبرز علي لاريجاني، الذي يمسك حالياً بخيوط السلطة الفعلية، كشخصية براغماتية قادت المفاوضات النووية سابقاً. ورغم تصريحاته الأولية برفض التفاوض تحت النار، فإن لغة الأرقام لا تدعم حرباً طويلة الأمد لأي طرف.

هذا السيناريو يفترض أن تصل القيادة الإيرانية المتبقية إلى قناعة رياضية؛ استمرار الحرب يعني الفناء، والقبول بالصفقة يعني البقاء في السلطة كدولة منزوعة السلاح الاستراتيجي. ستتضمن الصفقة تسليم وتفكيك ما تبقى من أجهزة الطرد المركزي المتطورة (مثل IR-6)، والتي أُشير إلى العثور على أجزاء منها في منشآت سرية حديثة رغم تدمير الآلاف منها في ضربات سابقة. واشنطن تفضل هذا السيناريو بشدة؛ فاستطلاع (رويترز/إبسوس) الأخير أظهر أن سبعة وعشرين بالمائة فقط من الأمريكيين يؤيدون الضربات، بينما يعارضها ثلاثة وأربعون بالمائة. الإدارة الحالية لا ترغب في إنفاق تريليونات الدولارات لتغيير نظام من الجذور إذا كان بإمكانها إجباره على توقيع صك استسلام يضمن أمن حلفائها.

السيناريو الثاني: الانقلاب العسكري (طوق النجاة الكاكي)

Advertisement

إذا تعنتت القيادات المدنية والدينية المتبقية، فإن السيناريو البديل ينبع من داخل الثكنات الإيرانية. خطاب الرئيس الأمريكي تضمن رسالة استراتيجية بالغة الخطورة عندما عرض “حصانة كاملة” لعناصر القوات المسلحة الذين يلقون أسلحتهم، محذراً إياهم من الموت المحتم. مع التأكيد الرسمي لمقتل رئيس الأركان عبدالرحيم موسوي، وإعلان واشنطن تدمير تسع سفن حربية وشلل قدرات الدفاع الجوي، قد يدرك جنرالات الصف الثاني في الجيش النظامي (الأرتش) أن النظام الديني يجر البلاد نحو الإبادة.

الانقلاب العسكري هنا لن يكون سعياً للسلطة بقدر ما هو “عملية إنقاذ وطني”؛ تتحرك فيه وحدات الجيش لاعتقال ما تبقى من مسؤولي الحرس الثوري، وتقديمهم كقرابين تفاوضية لواشنطن لإنهاء القصف. هذا السيناريو يحول إيران مؤقتاً إلى حكم عسكري كلاسيكي، وهو نموذج قد تجد واشنطن ودول الجوار سهولة أكبر في التعامل معه مقارنة بنظام عقائدي غير متوقع.

السيناريو الثالث: الهاوية وحرب الاستنزاف الشاملة

هذا هو سيناريو الكابوس الذي يرتجف منه الاقتصاد العالمي. إذا تمكن التيار المتشدد من السيطرة التامة، فقد يقررون تفعيل خيار “عليّ وعلى أعدائي”. المؤشرات الأولية لهذا السيناريو مرعبة بالفعل؛ فقد تعاملت الدفاعات الإماراتية وحدها مع مئة وخمسة وستين صاروخاً باليستياً وأكثر من خمسمائة وأربعين طائرة مسيرة خلال يومين فقط. كما أظهرت بيانات الملاحة الجوية إلغاء أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة رحلة مدنية في المنطقة، ليرتفع العدد لاحقاً إلى نحو تسعة آلاف وخمسمائة رحلة.

لكن السلاح الأخطر هنا ليس الصواريخ، بل خنق الاقتصاد. الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أدى إلى احتجاز نحو مئة وخمسين سفينة شحن، مهدداً بتوقف تدفق عشرين مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يمثل نحو خمس الاستهلاك العالمي. استجابت الأسواق فوراً؛ إذ قفز خام برنت بنحو تسعة بالمائة ليتخطى حاجز الاثنين وثمانين دولاراً. وفي مذكرة لبنك (جولدمان ساكس)، قُدرت علاوة المخاطر بثمانية عشر دولاراً للبرميل، بينما حذرت مؤسسة (وود ماكنزي) من أن النفط قد يتجاوز مائة دولار إذا استمر الإغلاق. في هذا السيناريو، ستُضطر الولايات المتحدة للانخراط في حرب استنزاف بحرية طويلة لتأمين إمدادات الطاقة، مع تزايد الكلفة المدنية المروعة، والتي تجلت بأبشع صورها في استهداف مدرسة “شجرة طيبة” في ميناب، حيث أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بمقتل مئة وثمانين شخصاً، غالبيتهم العظمى من التلميذات، في حصيلة لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل، لكنها تؤكد حجم الكارثة الإنسانية.

السيناريو الرابع: انهيار الدولة الشامل وتغيير النظام

Advertisement

السيناريو الأخير، والأقل احتمالية، يتمثل في إسقاط النظام كلياً لبناء “إيران جديدة”. هذه الفكرة تصطدم بصخرة الواقع الجيوسياسي والديموغرافي. نحن نتحدث عن دولة تبلغ مساحتها نحو أربعة أضعاف مساحة العراق، وتضم أكثر من تسعين مليون نسمة. إسقاط النظام فيها دون بديل جاهز سيخلق فراغاً أمنياً هائلاً لا يمكن لأي قوة جوية السيطرة عليه.

لقد عانت إيران مؤخراً من احتقان داخلي غير مسبوق، تجلى في انتفاضة شعبية واسعة أواخر عام ألفين وخمسة وعشرين، والتي واجهتها السلطات بقمع عنيف أسفر عن آلاف القتلى، في أرقام تتراوح بين تقديرات حكومية تبلغ نحو ثلاثة آلاف، وتقديرات معارضة تتجاوز الثلاثين ألفاً. هذا الشرخ المجتمعي العميق يعني أن غياب السلطة المركزية قد يؤدي إلى تمزق البلاد جغرافياً، وتولد موجات لجوء مليونية تعبر نحو تركيا وأوروبا والخليج. واشنطن لا تمتلك الشهية السياسية أو التفويض الشعبي لتحمل عبء إدارة دولة منهارة بهذا الحجم، مما يرجح أن تكتفي القاذفات بتدمير البنية العسكرية، تاركة الإيرانيين ليحددوا مصيرهم، وهو ما يعيدنا إلى سيناريو الصفقة القسرية أو التحول العسكري الداخلي كأقرب المخارج الواقعية لهذه الأزمة.