في تحول دراماتيكي يعيد صياغة قواعد الاشتباك الاقتصادي والعسكري في القرن الحادي والعشرين، قررت الإدارة الأمريكية الانتقال من موقف الدفاع التكتيكي عن سماء الشرق الأوسط إلى الهجوم الاستراتيجي المضاد لفك الخناق عن شرايين الاقتصاد العالمي. فبينما كانت طهران تراهن على انسحاب أندية الحماية والتعويض التأمينية الكبرى من لندن ونيويورك لفرض إغلاق فعلي على مضيق هرمز، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة استباقية مزدوجة قبل ساعات قليلة، مستخدماً الآلة المالية الفيدرالية لنسف هذا الابتزاز. هذا التحرك، الذي ترافق مع تصريحات عسكرية شديدة القسوة تبشر بمرحلة تدميرية أوسع، يثبت أن واشنطن لم تعد تبحث عن نصر جراحي سريع، بل تؤسس لهندسة جديدة لهيكلية الردع في الخليج العربي، متجاوزة خسائرها البشرية التي بلغت ستة قتلى من جنودها حتى اليوم.

المناورة الأمريكية الأحدث جاءت لتفكك عقدة “الاختناق التأميني” التي شلت حركة نحو سبعمائة وخمسين سفينة تجارية، من بينها مائة سفينة حاويات. أعلن ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” إصدار أوامر فورية لـ “مؤسسة التمويل الإنمائي الدولية الأمريكية” (DFC) لتقديم تأمين ضد المخاطر السياسية وضمانات لخطوط الشحن البحري، وخاصة ناقلات الطاقة العابرة للخليج. هذا القرار، ورغم أنه لا يمثل تغطية تأمينية بحرية شاملة، يضع ثقل الحكومة الأمريكية كضامن مباشر لتدفقات الطاقة، محاولاً تجريد الحرس الثوري الإيراني من قدرته على خنق الأسواق عن بُعد، ومؤكداً أن الولايات المتحدة ستدعم التدفق الحر للطاقة مهما كلف الأمر.
ولضمان ألا يكون هذا الغطاء المالي مجرد حبر على ورق، أرفق ترامب قراره الاقتصادي بتلويح عسكري يستدعي من الذاكرة تفاصيل “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، معلناً أن البحرية الأمريكية ستبدأ “إذا لزم الأمر” وفي “أقرب وقت ممكن” بتسيير دوريات مرافقة لحماية ناقلات النفط أثناء عبورها مضيق هرمز. هذا الإعلان المشروط يتزامن مع نفي قاطع من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) للادعاءات الإيرانية بإغلاق المضيق، ويضع ما تبقى من القوات البحرية الإيرانية أمام خيار انتحاري؛ فأي محاولة لاستهداف ناقلة نفط ستعني اصطداماً مباشراً مع المدمرات الأمريكية. وبالنظر إلى إعلان “سنتكوم” تدمير إحدى عشرة سفينة إيرانية في خليج عُمان، منها إغراق فرقاطة “جماران” المتقدمة في ميناء تشابهار، فإن وضع الأسطول الأمريكي في مواجهة الزوارق الإيرانية يُعد بمثابة نصب فخ استراتيجي لإبادة ما تبقى من قدرات طهران البحرية.

لكن التطمين الاقتصادي الذي حمله هذا الغطاء التأميني تبخر سريعاً أمام تصريحات عسكرية تنذر بكارثة أعمق. ففي مقابلة مع شبكة “سي إن إن”، أطلق ترامب تحذيراً مرعباً يشير إلى أن ما شهده العالم، بما في ذلك إلقاء سلاح الجو الإسرائيلي لأكثر من ألف ومائتي ذخيرة في الساعات الأربع والعشرين الأولى، واستهداف القيادة المركزية لأكثر من ألف ومائتين وخمسين هدفاً في يومين، ومقتل المرشد الأعلى وأكثر من أربعين مسؤولاً إيرانياً، لم يكن سوى البداية. قال ترامب بوضوح: “الموجة الكبرى لم تحدث بعد.. إنها قادمة قريباً”. هذا التصريح يوسع الإطار الزمني الذي حددته الإدارة سابقاً بأربعة إلى خمسة أسابيع، ويؤكد أن واشنطن تمتلك النية للمضي في هذه الحملة لفترة أطول بكثير، محولة عملية “الغضب الملحمي” إلى خطة استئصال بنيوي ممنهج لمقدرات الدولة الإيرانية.

ما يعزز سيناريو الاستئصال الشامل هو الحرب اللوجستية التي تشنها الإدارة. تفاخر ترامب بأن مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر تمكنها من خوض حروب “إلى الأبد” بنجاح تام، رغم اعترافه الخطير والمبطن في ذات المنشور بأن مخزونات الأسلحة عالية الجودة “ليست عند المستوى الذي نريده”، ملقياً باللوم على المساعدات العسكرية لأوكرانيا. هذا الاعتراف بنقص الذخائر النوعية يضيف طبقة من التعقيد على العمليات المستقبلية. الأخطر من ذلك هو كسر الإدارة لأكبر التابوهات العسكرية؛ ففي سلسلة من التصريحات، رفض الرئيس ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث استبعاد خيار إرسال قوات برية أمريكية إلى الداخل الإيراني. ورغم أن هذا الخيار يبدو مستبعداً بمعايير الاحتلال الشامل، إلا أن إبقاءه مطروحاً يمهد الطريق لعمليات إنزال للقوات الخاصة لتأمين مواقع حساسة، مما يضاعف من حالة الشلل داخل دوائر صنع القرار المتبقية في إيران.
هذه التطورات تضع العواصم العالمية، وخاصة بكين، في زاوية حرجة. الصين، التي يمر نحو أربعين بالمائة من وارداتها النفطية عبر هذا المضيق وناشدت طهران دبلوماسياً لإبقائه مفتوحاً، تجد نفسها تراقب البحرية الأمريكية وهي تحكم قبضتها على صنبور الطاقة الأهم في العالم. هذه السيطرة المزدوجة، مالياً عبر مؤسسة التمويل الإنمائي وعسكرياً عبر المدمرات، تُحجم النفوذ الصيني وتذكر العالم بأن واشنطن لا تزال القوة العظمى الوحيدة القادرة على فرض إرادتها. ومع ترقب الأسواق لـ “الموجة الكبرى”، يدرك العالم أن الشرق الأوسط دخل نفقاً استراتيجياً مظلماً، تُدار فيه المعارك بعقلية تسعى لمحو الخصم من المعادلة، حتى لو تطلب الأمر إشعال حروب تمتد إلى الأبد.




