تدرس الولايات المتحدة مجموعة خيارات لتوسيع نفوذها في غرينلاند، من بينها مقترح مثير للجدل يقوم على دفع مبالغ مالية مباشرة لسكان الجزيرة، في إطار استراتيجية أوسع تهدف لتشجيعهم على مسار استقلال تدريجي عن الدنمارك ثم بناء علاقة خاصة مع واشنطن. ورغم أن هذه الأفكار لم تتحول بعد إلى خطة رسمية مُقرة من الكونغرس، فإن تسريبها إلى الإعلام يعكس جدية أكبر في التفكير الأميركي حيال مستقبل الجزيرة الاستراتيجية الغنية بالموارد والموقع الجيوسياسي الحساس في القطب الشمالي.
خلفية: لماذا تهتم واشنطن بغرينلاند؟
تأتي العودة الأميركية القوية إلى ملف غرينلاند في سياق تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على النفوذ في القطب الشمالي، حيث تزداد أهمية الممرات البحرية والموارد المعدنية والطاقة مع ذوبان الجليد. وتمنح اتفاقية الدفاع الموقعة منذ الحرب العالمية الثانية واشنطن بالفعل وجودًا عسكريًا مهمًا في الجزيرة عبر قاعدة ثول الجوية، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترى أن هذه الترتيبات لا تكفي لتأمين مصالح أميركا طويلة المدى، خاصة في ما يتعلق بالتعدين والبنية التحتية والممرات البحرية الجديدة.
غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، وتحصل سنويًا على دعم مالي من كوبنهاغن يُقدَّر بحوالي 600 مليون دولار، يشكل ركيزة أساسية لموازنتها العامة وخدماتها الاجتماعية. في الوقت ذاته، تتطلع الجزيرة على المدى الطويل إلى تحقيق استقلال كامل، لكن قادتها يدركون أن أي خطوة سريعة دون بديل تمويلي واضح قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والخدمي للسكان.
فكرة «الدفع المباشر» للسكان
وفق تقارير أميركية وأوروبية، يدرس فريق ترامب سيناريو يقوم على أن تحل الولايات المتحدة محل الدنمارك كممول رئيسي لغرينلاند، ليس فقط عبر تحويل دعم سنوي للحكومة، بل أيضًا من خلال حوافز مالية مباشرة تدفع للسكان. الفكرة النظرية المطروحة تتحدث عن إمكانية تخصيص مبالغ قد تصل إلى نحو 10 آلاف دولار سنويًا لكل فرد، ما يجعل العرض الأميركي أكثر سخاءً من المساندة الدنماركية الحالية، ويخلق رأيًا عامًا أكثر تقبلاً لخيار استقلال الجزيرة عن كوبنهاغن ثم الدخول في صيغة ارتباط خاصة مع واشنطن.
يتم تسويق هذه المقاربة داخل بعض الدوائر الأميركية بوصفها «سخاءً ساحرًا»، أي استخدام القوة الناعمة المالية بدلاً من الضغوط الصلبة، من أجل كسب قلوب سكان غرينلاند وإقناعهم بأن مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي سيكون أفضل في ظل شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة. لكن منتقدين يشبهونها بمحاولة «شراء شعب كامل»، ويحذرون من تأثيرها على النسيج الاجتماعي والهوية السياسية لسكان الجزيرة الأصليين من الإنويت.
السيناريوهات التي تناقشها واشنطن
تشير تحليلات مراكز أبحاث وصحف أميركية إلى ثلاثة مسارات رئيسية يجري بحثها بخصوص غرينلاند:
- الأول: محاولة «شراء» الجزيرة بشكل رسمي من الدنمارك، على غرار محاولات فاشلة سابقة في التاريخ الأميركي، وهو مسار يُنظر إليه حاليًا على أنه شبه مستحيل سياسيًا.
- الثاني: دعم استقلال غرينلاند عن الدنمارك عبر حوافز مالية واستثمارات ضخمة، ثم توقيع اتفاق «ارتباط حر» شبيه بالاتفاقيات التي تربط الولايات المتحدة بدول جزرية في المحيط الهادي، حيث تتولى واشنطن الدفاع والسياسة الخارجية مقابل دعم مالي سنوي.
- الثالث: تعميق الوجود العسكري والاقتصادي ضمن الإطار القانوني الحالي، دون تغيير السيادة أو الوضع الدستوري، مع توسيع القواعد والاستثمارات في التعدين والبنية التحتية.
فكرة دفع مبالغ مباشرة للسكان تندرج في المسار الثاني، إذ يُنظر إليها كأداة لتسريع قبول الاستقلال سياسيًا واجتماعيًا من خلال تقليل المخاطر الاقتصادية التي يخشاها المواطنون.
موقف غرينلاند والدنمارك
رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن كثيرًا من سكان غرينلاند يدعمون مبدأ الاستقلال عن الدنمارك في المستقبل، إلا أن الغالبية لا ترغب في أن تصبح الجزيرة تابعة للولايات المتحدة أو أن تُنقل السيادة عليها كسلعة في صفقة بين دولتين. القيادة السياسية في غرينلاند تُصر على أن أي تغيير في الوضع السياسي يجب أن يمر عبر استفتاء واضح وشفاف، وأن يكون نابعًا من إرادة سكان الجزيرة أولاً، وليس نتيجة مساومات جيوسياسية بين واشنطن وكوبنهاغن.
الدنمارك من جانبها ترفض تمامًا فكرة بيع غرينلاند، وتعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من المملكة، مع اعترافها بحق سكانها في تقرير المصير وفق الأطر المتفق عليها. في الوقت نفسه، تدرك كوبنهاغن أن الضغوط الأميركية ستستمر في ظل تصاعد التنافس في القطب الشمالي، ما يدفعها للبحث عن صيغ تعاون دفاعي واقتصادي مع واشنطن لا تصل إلى حد التنازل عن السيادة أو تحفيز الانفصال.
بين التسريبات والواقع العملي
حتى الآن، لم تتحول أفكار «الدفع النقدي المباشر» إلى مشروع قانون واضح أمام الكونغرس الأميركي، كما أن البيت الأبيض يتحدث بصيغة عامة عن أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» بشأن غرينلاند، من دون تبني علني لصيغة محددة من هذه المقترحات. لذلك يُمكن القول إن الحديث عن مبالغ مالية لسكان غرينلاند لدعم الانفصال عن الدنمارك يظل جزءًا من نقاشات واستراتيجيات قيد الدراسة والتسريب، أكثر منه خطة تنفيذية جاهزة للتطبيق في المدى القريب.




