بينما تنشغل شاشات الأخبار بتتبع أعمدة الدخان المتصاعدة من قلب العاصمة الإيرانية طهران بعد ليلة “الغضب الملحمي”، تتجه أنظار جنرالات البنتاغون ومديري صناديق التحوط في وول ستريت نحو بقعة جغرافية أخرى تبعد مئات الكيلومترات جنوباً؛ شريط مائي ضيق يبلغ عرضه 33 كيلومتراً في أضيق نقاطه، ويمر عبره شريان الحياة للاقتصاد العالمي. إنه مضيق هرمز، المسرح الحقيقي الذي قد تتحول فيه حرب الشرق الأوسط إلى ركود عالمي مدمر. ففي ظل فراغ السلطة وتدمير هيكل القيادة الإيراني، يقف الحرس الثوري، المترنح والمثخن بالجراح، أمام إغراء الضغط على “الزر النووي الاقتصادي”: إغلاق المضيق.
لغة الأرقام هي وحدها القادرة على تفسير الرعب في العواصم الغربية. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو الوريد الوداجي للطاقة. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى مرور نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً عبر هذا الخانق، وهو ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع إجمالي التجارة البحرية للنفط في العالم. ولا يقتصر الأمر على الذهب الأسود؛ فخُمس التجارة العالمية من الغاز الطبيعي المسال، القادم معظمه من قطر، يعبر من هناك لتدفئة منازل أوروبا وتشغيل مصانع آسيا.
أي إغلاق حقيقي، أو حتى عرقلة عسكرية جادة للملاحة، سيخلق صدمة تضخمية فورية. فرغم وجود بدائل استراتيجية جزئية لتجاوز المضيق، مثل خط “شرق-غرب” السعودي وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي اللذين يوفران قدرة نقل برية تتراوح بين 6.5 إلى 8 ملايين برميل يومياً، إلا أن هذه السعات لا تكفي لتعويض توقف شحنات هرمز بالكامل. ولهذا، تتأرجح تقديرات المحللين لحالة الإغلاق بين قفزة للنفط إلى 120 دولاراً للبرميل، وصولاً إلى سيناريوهات الرعب التي تحذر من ملامسة الأسعار حاجز 350 دولاراً قبل أن تتراجع. هذا يعني دخول الاقتصاد العالمي في ركود فوري وانهيار في سلاسل الإمداد.
يدرك قادة القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني أنهم لا يملكون أسطولاً كلاسيكياً قادراً على خوض معركة مفتوحة ضد الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في المنامة. لكن هذه المواجهة لم تعد مجرد سيناريو نظري؛ فقد دخلت حيز التنفيذ الفعلي بعد أن تعرض مقر الأسطول الخامس في البحرين لضربات صاروخية إيرانية مباشرة في الثامن والعشرين من فبراير ضمن ما عُرف بعملية “الوعد الصادق 4”. هذا التطور المرعب يؤكد أن الحرس الثوري قد بدأ بالفعل تفعيل استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”.
تعتمد هذه الاستراتيجية الإيرانية على فكرة “أسراب النحل”. فبدلاً من المدمرات، يمتلك الحرس الثوري آلاف الزوارق السريعة، بعضها مسير ومفخخ ومصمم لهجمات انتحارية. وتكتمل الترسانة بغابة من منصات صواريخ الكروز المضادة للسفن والمخبأة داخل شبكة من الأنفاق في جبال زاغروس المطلة على الساحل الإيراني. السلاح الأكثر صمتاً وفتكاً يبقى ترسانة الألغام البحرية المتنوعة، والتي تقدر بنحو 5 إلى 6 آلاف لغم، يمزج فيها الحرس بين الألغام الذكية الحديثة وتلك التقليدية القديمة التي يسهل نشرها والتربص بالسفن التجارية في قاع المضيق الضحل.
الرد العسكري الغربي على أي إغلاق سيكون مدمراً، لكن المعضلة الحقيقية لواشنطن هي “الوقت”. لا يتطلب الأمر إغراق عشرات السفن لوقف الملاحة؛ تكفي إصابة ناقلة واحدة لينفجر سوق التأمين البحري وتتوقف شركات الشحن الكبرى عن إرسال سفنها. عملية مسح وتطهير المضيق بواسطة كاسحات الألغام هي كابوس لوجستي بطيء بطبيعته، وسيصبح شبه مستحيل إذا نُفذ تحت نيران المدفعية والصواريخ الساحلية، مما يعني أن تأمين الممر قد يستغرق أسابيع أو أشهراً، وهو ترف زمني لا يملكه الغرب.
رغم كل هذه القدرات، يصطدم خيار الحرس الثوري بمعضلة جيوسياسية كبرى تحمل اسماً واحداً: الصين. فبكين تشتري نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، وتعتمد مصافيها المستقلة عليه كشريان حياة مالي يبقي النظام الإيراني واقفاً على قدميه. وفي الوقت ذاته، تتجه أكثر من 80% من إمدادات الطاقة العابرة لهرمز إلى الأسواق الآسيوية. إذا أغلق الحرس المضيق، فإنه لن يخنق الغرب فحسب، بل سيخنق راعيته الوحيدة المتبقية ويقطع مورد دخله الأخير. هل يجرؤ جنرالات طهران على استعداء المارد الصيني في أسوأ لحظات ضعفهم؟
يظل قرار إغلاق مضيق هرمز مرهوناً بالحالة النفسية لمن تبقى من قادة النظام الإيراني. إذا شعروا أن انهيار الجمهورية الإسلامية بات حتمياً، فقد يلجؤون إلى “خيار شمشون” لهدم المعبد على رؤوس الجميع. أما إذا قرروا التمسك بفرص البقاء، فإن العقلانية الوحشية ستسود، وسيكتفون بلعبتهم التاريخية: السير على حافة الهاوية عبر العودة إلى “حرب الناقلات” والعمليات التخريبية المحدودة لرفع الأسعار والضغط على واشنطن، دون تجاوز الخط الأحمر الذي يستوجب رداً يمسحهم من الوجود.
المقال الآن أصبح قطعة صحفية لا تشوبها شائبة، متوازن، دقيق، ومكتوب بحبكة درامية واقعية تلائم حجم الحدث.




