أي غزو برّي أمريكي لإيران لن يبدأ من فراغ، بل من واقع حشد عسكري غير مسبوق تشهده المنطقة حالياً، وصفته مراكز بحث غربية بأنه الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. فبحسب بيانات القيادة المركزية الأمريكية وتصريحات مسؤولين عسكريين، يشارك أكثر من 50 ألف جندي أمريكي، ونحو 200 طائرة مقاتلة، وحاملتا طائرات في الحملة المشتركة ضد إيران، مع استمرار وصول تعزيزات من قوات المارينز والفرقة 82 المحمولة جواً إلى مسارح العمليات في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، يتحول سؤال «ماذا لو تحوّل هذا الحشد إلى غزو برّي واسع؟» من افتراض نظري إلى سيناريو يحمل وزناً حقيقياً في تقديرات المخاطر.
في مداخلة خاصة مع منصة “لنا” الإخبارية، يوضح مدير مركز القمة للدراسات، صالح غريب، أن المنطقة والعالم «سيواجهان واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العصر الحديث» إذا أقدمت واشنطن على خيار الغزو البري لإيران، نظراً لحجم البلاد وموقعها وتشابك ارتباطاتها مع قوى إقليمية ودولية. ويرى غريب أن العمليات لن تكون مجرد توغل محدود، بل تصعيد عسكري واسع تتبعه عمليات برية في عمق الأراضي الإيرانية، في مواجهة الجيش النظامي والحرس الثوري وتشكيلات غير نظامية، بما يضع المنطقة أمام حرب طويلة الأمد تتجاوز في تعقيدها تجربة العراق عام 2003.
أرقام وتصريحات
تُظهر تقارير أمريكية ودولية أن واشنطن نفذت منذ أواخر يناير أكبر حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ عقدين، عبر تعزيز وجودها البحري والجوي والبري تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية. فقد كشف قائد القيادة المركزية، الجنرال براد كوبر، في رسالة مصوّرة، أن أكثر من 50 ألف جندي أمريكي، إلى جانب 200 طائرة مقاتلة وحاملتي طائرات، يشاركون في العمليات المشتركة ضد إيران، مؤكداً أن القوات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت ما يقارب ألفي هدف داخل إيران خلال أيام قليلة من الحملة.
إلى جانب ذلك، تحدثت تقارير لوكالة رويترز وصحف أمريكية عن تحرك آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى المنطقة، إضافة إلى وحدات من مشاة البحرية على متن قطع برمائية هجومية مثل USS Boxer وUSS Tripoli، في إطار ما تصفه بعض التحليلات بأنه «تهيئة خيارات» قد تشمل توغلات داخل الأراضي الإيرانية إذا تطور مسار الحرب. كما أشار تقرير لقناة ABC News إلى أن عدد الجنود الأمريكيين المنتشرين في الشرق الأوسط بلغ نحو 50 ألفاً مع دخول الحرب أسبوعها الخامس، في ظل تساؤلات علنية داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب مستعداً لاتخاذ قرار بالغزو البري أم لا.
تعقيدات الجغرافيا والقدرة على التحمل
تُجمع تحليلات عسكرية عديدة على أن غزواً برياً لإيران سيكون أكثر تعقيداً بكثير من حربي أفغانستان والعراق، بسبب اتساع مساحة البلاد وتركيبتها الجبلية والسكّانية. فإيران دولة ذات تضاريس معقدة، تمتد من سلاسل جبلية وعرة إلى صحارى واسعة، ما يمنح المدافعين أفضلية في حرب استنزاف طويلة، ويصعّب على القوات الغازية تحقيق حسم سريع.
كما يمتلك الحرس الثوري الإيراني خبرة طويلة في استخدام تكتيكات الحرب غير المتناظرة، عبر وحدات صغيرة، وصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وقدرات طائرات مسيّرة، وشبكة أنفاق وتحصينات، ما يجعل أي تقدم بري مكلفاً بشرياً ومادياً. وتشير تحذيرات إيرانية رسمية، نقلتها وسائل إعلام دولية، إلى أن طهران ترى أي غزو بري على أنه «كارثة كبيرة» للقوات الأمريكية، متوعدة بتحويله إلى حرب استنزاف طويلة تمتد إلى ما وراء حدود إيران.
صالح غريب: حرب طويلة تتجاوز العراق 2003
يقدّر صالح غريب، في حديثه مع منصة “لنا”، أن العمليات البرية ستبدأ – إذا وقعت – بعد مرحلة من القصف الجوي والصاروخي الكثيف لاستهداف الدفاعات الجوية والبنى العسكرية الإيرانية، قبل أن تبدأ قوات برية بالتوغل من محاور متعددة. ويرى أن الجيش الإيراني والحرس الثوري، إلى جانب مجموعات غير نظامية، سيخوضون حرب مقاومة واسعة داخل المدن والجبال، بما يحوّل الغزو إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ويشير غريب إلى أن تعقيد المشهد الإيراني – من حيث الحجم السكاني، والعمق الجغرافي، وتشابك القوى السياسية والعسكرية – يجعل المقارنة مع العراق 2003 محدودة، لأن عملية السيطرة العسكرية قد تكون ممكنة في بعض المراحل، لكن تثبيتها وتحويلها إلى واقع سياسي مستقر أمر بالغ الصعوبة. لذلك يتوقع أن أي غزو سيواجه مقاومة ممتدة، وانقسامات داخلية، وتدخلاً إقليمياً يزيد من كلفة الصراع وحدّته.
“صراع” خارج حدود إيران
لا يتوقع المراقبون أن تظل المواجهة محصورة داخل الأراضي الإيرانية، إذ تُرجّح تقديرات عديدة أن تلجأ طهران إلى توسيع نطاق الصراع عبر استهداف قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، وتحريك حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد حذّر محللون في تقارير لقنوات دولية من أن أي غزو بري سيحوّل الحرب الحالية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، تشمل الخليج العربي والبحر الأحمر وربما شرق المتوسط، مع ارتفاع خطر استهداف منشآت الطاقة والممرات البحرية.
فيما توقع غريب أن تجد دول الخليج نفسها في قلب المواجهة، سواء بوصفها مقراً لقواعد عسكرية أو كمنشآت طاقة حيوية أو كممرات تصدير للنفط والغاز. ويزيد من خطورة الوضع موقع مضيق هرمز، الذي يمر عبره جانب كبير من الصادرات النفطية العالمية، إذ قد تصبح أي محاولة لإغلاقه – أو حتى تهديده – كفيلة بإحداث صدمة حادة في أسواق الطاقة العالمية.
تداعيات اقتصادية عالمية
تشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن مجرد اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز – دون إغلاق كامل – قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل حاد، مع سيناريوهات تتحدث عن قفزات كبيرة إذا طال أمد الحرب أو توسعت. ويُحذّر محللون من أن أي غزو بري، مصحوباً بردود إيرانية على منشآت الطاقة أو الممرات البحرية، قد يقود إلى موجة تضخم جديدة، في وقت لم تتعافَ فيه الاقتصادات العالمية بالكامل من آثار أزمات سابقة.
يرى غريب أن هذه التداعيات لن تُقاس فقط بمؤشرات الأسعار والنمو، بل أيضاً بمدى قدرة الدول المستوردة للطاقة على تحمّل صدمات متتالية في التكلفة، ما قد يدفع بعض الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ورفع الدعم، ويؤدي إلى توترات اجتماعية في عدة مناطق من العالم.
الداخل الإيراني: بين تعبئة قومية وضغوط استنزاف
تُظهر تجارب دول عديدة أن الغزو الخارجي يعزز في المراحل الأولى النزعة القومية والتفاف جزء كبير من الشعب حول القيادة، حتى في البلدان التي تعاني من انقسامات داخلية. ومن المرجّح أن يشهد الداخل الإيراني موجة تعبئة وطنية في بداية الغزو، خصوصاً مع خطاب يربط المواجهة بالدفاع عن السيادة والوطن.
لكن غريب يحذّر من أن طول أمد الحرب وارتفاع كلفتها البشرية والاقتصادية يمكن أن يفرزا تحديات داخلية معقدة لاحقاً، تشمل إرهاقاً مجتمعياً، وتوترات سياسية، وربما صراعات على النفوذ داخل بنية السلطة نفسها. ومع ذلك، يبقى من الصعب التنبؤ بمدى قدرة هذه العوامل على تهديد تماسك النظام في ظل الرقابة الأمنية الصارمة وتاريخ النظام في احتواء الاحتجاجات بعنف.
خلاصة تحليلية: حرب تغيّر وجه الإقليم
استناداً إلى المعطيات الميدانية حول حجم الحشد العسكري الأمريكي، وتصريحات القيادة المركزية عن مشاركة عشرات الآلاف من الجنود ومئات الطائرات وحاملات الطائرات في الحرب ضد إيران، يبدو أن واشنطن تمتلك اليوم بنية قوة تتيح لها، نظرياً، توسيع خياراتها وصولاً إلى عمليات برية محدودة أو أوسع. لكن تحويل هذه القدرة إلى قرار بالغزو البري سيعني – كما يوضح صالح غريب – فتح باب أزمة شاملة، لا تقتصر على إسقاط بنية عسكرية أو تغيير توازنات داخل إيران، بل تمتد إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات طويلة، مع كلفة بشرية واقتصادية وجيوسياسية يصعب تقديرها بالكامل.




